حين تتساوى الدولة بالمتمردين عليها .. قراءة نقدية في تقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية عن السودان

د. إسماعيل ساتي

في الأول من سبتمبر 2026، أصدرت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان تقريرها الجديد (A/HRC/63/23) أمام مجلس حقوق الإنسان، تحت عنوان: 《تأجيج النزاع في السودان: الأسلحة والمقاتلون وشبكات الدعم الخارجي》.
يحمل التقرير بين طياته معلومات مهمة وموثقة بعناية، لكنه، في الوقت نفسه، يكرس من خلال بنيته وصياغته مقاربة إشكالية تتمثل في التعامل مع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع باعتبارهما «طرفي نزاع» متكافئين، رغم أن الفارق بينهما ليس مجرد فارق في درجة العنف، بل هو فارق في الطبيعة القانونية والسياسية ذاتها: مؤسسة دستورية تتبع لدولة عضو في الأمم المتحدة، في مقابل ميليشيا متمردة نشأت من رحم «القوات المسلحة»، ثم تحولت إلى قوة مسلحة موازية تحظى بدعم خارجي منظم من دول الجوار والإقليم.

مساواة لغوية تخفي تفاوتاً في الواقع:

يفتتح التقرير موجزه بجملة تضع الطرفين في مستوى واحد من المسؤولية، إذ يشير إلى أن كليهما «غذى العمليات العسكرية» بدعم خارجي، وأن كليهما ارتكب انتهاكات «قد ترقى إلى جرائم حرب».
قد تبدو هذه الصياغة، من الناحية الأسلوبية، متوازنة ومهنية، بصرف النظر عن صفتها القانونية. لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل هذا التوازن اللغوي إلى الرأي العام والإعلام الدولي؛ إذ ينتج انطباعاً مضللاً مفاده أن السودان يشهد «حرباً أهلية بين ندين»، لا «تمرداً مسلحاً مدعوماً من الخارج على دولة قائمة».
والأهم أن التقرير نفسه، حين ندقق في تفاصيله لا في عناوينه العامة، يكشف عن هذا التفاوت بوضوح لافت.

شبكة الدعم السريع .. أسماء دول وأفراد وشركات وعقوبات:

يُعد القسم الخاص بالدعم الخارجي لقوات الدعم السريع الأكثر تفصيلاً واكتمالاً في التقرير بأكمله. فالبعثة لا تكتفي بالإشارة إلى «دعم خارجي غامض المصدر»، بل تسمي صراحةً الإمارات العربية المتحدة، وتشاد، وجنوب شرق ليبيا، بما في ذلك بنغازي والكفرة والجفرة، وبونتلاند في الصومال، وكولومبيا.

وتذهب البعثة إلى حد تسمية كتيبة عسكرية بعينها تابعة لما يوصف بـ«الجيش الوطني الليبي»، وهي كتيبة سبل السلام، كما تسمي فردين بالاسم الكامل نالا عقوبات أممية موثقة لدورهما في تجنيد المرتزقة الكولومبيين ونشرهم في السودان.
ولا يتوقف الأمر عند تسمية الدول والأفراد، بل يحدد التقرير أنظمة أسلحة بعينها، من بينها مدافع هاوتزر صينية الطراز، وأنظمة الدفاع الجوي FK-2000، وطائرات مسيرة من طراز CH-95، ويربطها بمسارات نقل جوية وبرية وبحرية محددة، بل يؤكد تطابق بعض هذه المعدات مع ما سبق تصديره إلى الإمارات تحديداً.

هذا المستوى من التوثيق يقترب من «لائحة اتهام» أكثر منه من «تقرير رصد عام». وهذه نقطة تستحق أن تبرز في أي قراءة نقدية للتقرير: فحين توفرت للبعثة أدلة كافية، لم تتردد في التسمية الصريحة.

دعم الجيش: «مرحلة أولية» فقط؛ ولكن لماذا؟

في المقابل، يأتي القسم الخاص بالدعم الخارجي للقوات المسلحة السودانية أقصر بكثير وأقل تحديداً. وتعترف البعثة صراحة بأن تحقيقها في هذا الملف «لا يزال في مرحلته الأولية»، وأنها لم تحدد بعد «منشأ هذه الأنظمة وطرائق نقلها والكيانات والدول الضالعة فيها».
صحيح أن التقرير يوثق استخدام الجيش لطائرات مسيرة تركية الطراز، من بينها بيرقدار أقينجي، إلى جانب ذخائر متسكعة، لكنه يتوقف عند هذا الحد ولا يسمي جهة التوريد، على خلاف ما فعله بصورة تفصيلية مع شبكة الدعم السريع.

وتبرر البعثة هذا التفاوت بالقول إن «استنتاجاتها بشأن الدعم الخارجي المقدم إلى القوات المسلحة السودانية لا تزال أولية»، وإن تركيزها الحالي انبثق من عمق تحقيقاتها في الانتهاكات المرتبطة بالسيطرة على الفاشر تحديداً.

قد يبدو هذا التفسير معقولاً من الناحية المنهجية. لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً: لماذا يُنشر تقرير رسمي أمام مجلس حقوق الإنسان بينما لا يزال أحد فصوله الرئيسية «في طور التحقيق»؟
والنتيجة العملية، بصرف النظر عن النوايا، هي أن الرأي العام يخرج بصورة شبكة دعم خارجي مكتملة الأركان لصالح الدعم السريع، في مقابل غموض شبه تام حول الجهات التي تدعم الجيش السوداني. وهذا التفاوت في «الجاهزية للنشر» له أثر سياسي، حتى لو لم يكن مقصوداً.

وقد يقرأ متابع هذا الأمر على أنه صادر عن جهة تحذر الجهات التي تدعم مؤسسة القوات المسلحة السودانية، قبل أن ينتقل الأمر إلى دهاليز مجلس الأمن، تمهيداً لاستصدار قرار يحظر على هذه الدول تقديم السلاح إلى الحكومة السودانية المعترف بها دولياً، والتي تدافع عن وجود الدولة في مواجهة غزو خارجي ذي أبعاد إقليمية ودولية.

من الذي وُصف سلوكه بأنه يحمل «مؤشرات إبادة جماعية»؟

النقطة الأخطر في التقرير، والتي لا ينبغي أن تضيع وسط لغة التوازن الشكلي، هي أن البعثة تكرر في أكثر من موضع، بما في ذلك خاتمة التقرير واستنتاجاته، أن سلوك قوات الدعم السريع وحلفائها في الفاشر ودارفور 《يحمل مؤشرات على حدوث إبادة جماعية》، وأنها ارتكبت 《جرائم ضد الإنسانية》 إلى جانب جرائم الحرب.
ولا يرد وصف مماثل في أي موضع من التقرير بشأن القوات المسلحة السودانية.
وهذا فارق نوعي، لا كمي، في مستوى وخطورة الاتهام. ومع ذلك، يظل هذا الفارق مطموراً داخل الصياغة العامة التي تصف «كلا الطرفين» بأنهما ارتكبا «انتهاكات جسيمة».

ما الذي يقوله التقرير لصالح نفسه؟

مع ذلك، لا يخلو التقرير من عناصر يمكن أن تُحسب لصالحه، ولا سيما فيما يتعلق بتوثيق الانتهاكات المنسوبة إلى القوات المسلحة السودانية.
فهو يوثق حوادث محددة بأدلة تفصيلية، تشمل صور الأقمار الصناعية، والشهادات المباشرة، وتحليل حطام الأسلحة، وينسبها إلى القوات المسلحة السودانية، مثل استهداف مستشفى الضعين التعليمي، وسوق أبو زعيمة، وسوق يابوس، مع تحديد أعداد الضحايا. وبناءً على ذلك، تدعو توصياته الختامية مجلس الأمن إلى توسيع حظر توريد الأسلحة المفروض حالياً على دارفور ليشمل السودان بأكمله.

وبذلك، فإن التقرير لا يستهدف تسليح الدعم السريع وحده، بل يطالب بكبح تدفق السلاح إلى الطرفين معاً. وهذا يقوي الزعم بأنه «تحت الطاولة» يسعى إلى تقسيم السودان أو إلى تمكين الدعم السريع سياسياً، على أساس أن هدفه هو حماية المدنيين وتطبيق القانون الدولي الإنساني بصرف النظر عن صفة الطرف المرتكب.

التوازن الشكلي ليس تكافؤاً في الواقع:

المشكلة الجوهرية في مثل هذه التقارير الأممية ليست غياب الأدلة؛ فالتقرير غني بها، خصوصاً فيما يتعلق بشبكات دعم الدعم السريع. وإنما تكمن المشكلة في إطار العرض الذي يساوي، على مستوى اللغة والبنية، بين جيش نظامي تابع لدولة عضو في الأمم المتحدة يقاتل للحفاظ على وجود الدولة، وبين ميليشيا متمردة يصف التقرير نفسه سلوكها بأنه 《يحمل مؤشرات إبادة جماعية》، ويوثق تلقيها دعماً خارجياً منظماً من عدة دول إقليمية عبر شبكات لتجنيد المقاتلين وتهريب السلاح ونقل المرتزقة.
وحين يُقرأ التقرير بعناية، لا من خلال عناوينه العامة، يظهر هذا التفاوت جلياً في تفاصيله.

وهنا تحديداً ينبغي أن يتمحور أي نقاش جاد حول التقرير: فالتوازن في اللغة لا يعني بالضرورة تكافؤاً في الواقع، والمساواة في وصف «طرفي النزاع» لا ينبغي أن تحجب الفوارق القانونية والسياسية والتاريخية بين الدولة ومن يتمرد عليها.

Exit mobile version