حين تتحول الوساطة إلى إدارة للفشل: ماذا يجري خلف أبواب ويلتون بارك؟
Mazin
مهند عوض محمود
في المقال السابق، ذهبت إلى أن إخفاق المبادرات الدولية في السودان لم يكن نتيجة نقص في الوسطاء أو الاجتماعات أو الموارد، وإنما نتيجة خطأ في تشخيص الأزمة نفسها. فقد تعاملت تلك المبادرات مع السودان بوصفه يواجه أزمة انتقال سياسي وصراعاً على السلطة، بينما تكمن المشكلة، في جوهرها، في أزمة دولة تتعلق بوحدة المؤسسات، وسيادة القانون، واحتكار استخدام القوة، وهي الأسس التي لا يقوم أي نظام سياسي من دونها. ويعيد اجتماع ويلتون بارك الأخير في بريطانيا طرح هذا السؤال من جديد؛ ليس بسبب الجهة المنظمة، وإنما بسبب طبيعة النقاش الذي دار داخله وترتيب الأولويات التي انطلق منها.
فقد أوضحت ويلتون بارك، بعد انتهاء الاجتماع، أن اللقاء لم يكن مفاوضات سياسية أو منصة للوساطة، ولم يكن معنيّاً بصياغة دستور جديد أو تحديد شكل الحكم في السودان، بل حواراً فنياً شارك فيه أكاديميون وخبراء سودانيون ودوليون لمناقشة قضايا مثل الفيدرالية، واللامركزية، وتقاسم الموارد، والتمثيل السياسي. كما أكد البروفيسور الواثق كمير أن المشاركين حضروا بصفتهم الشخصية، ولم يمثلوا حكومات أو أحزاباً أو جماعات مسلحة.
ومن المهم الإقرار بهذه التوضيحات، لأن النقد الجاد يجب أن يستند إلى الوقائع لا إلى الافتراضات. غير أن ذلك لا يجيب عن السؤال الأهم: هل تنطلق مثل هذه الحوارات من التشخيص الصحيح للأزمة السودانية؟
وهنا لا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق بمعيار الاختيار. فقد ضم الاجتماع شخصيات ارتبطت بمشروعات سياسية نشأت في سياق الحرب، من بينها نصر الدين عبد الباري المرتبط بتحالف «تأسيس»، في حين غاب أي تمثيل رسمي للدولة السودانية. وليس الاعتراض على حق أي شخص في المشاركة في حوار فكري، وإنما على الرسائل السياسية التي قد يبعث بها هذا النوع من التمثيل عندما يكون النقاش متعلقاً بمستقبل الدولة نفسها.
وقد يقال إن جميع المشاركين حضروا بصفتهم الشخصية، وإن الاجتماع لم يكن مفاوضات بين أطراف النزاع، وهذا صحيح من الناحية الإجرائية. غير أن الصفة الشخصية لا تلغي دائماً الدلالة السياسية للاختيار، لأن كثيراً من المسارات السياسية تبدأ بحوارات غير رسمية قبل أن تتحول إلى مبادرات أكثر رسمية. ولذلك فإن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينصرف إلى معايير الاختيار وتوازنها، لا إلى الأشخاص أنفسهم.
كما أن ويلتون بارك ليس مؤسسة أكاديمية مستقلة بالمعنى التقليدي، بل مؤسسة تابعة لوزارة الخارجية البريطانية تُعنى بجمع المسؤولين والخبراء وصناع السياسات لمناقشة القضايا الدولية. وهذا لا يعني أن كل ما يدور داخله يمثل السياسة البريطانية، لكنه يجعل اختيار الموضوعات والمشاركين أمراً يتجاوز الجوانب التنظيمية البحتة. ومع ذلك، فإن الاعتراض الحقيقي لا يتعلق بالجهة المنظمة ولا بالأسماء المشاركة، وإنما بطبيعة الأسئلة المطروحة.
فالفيدرالية، واللامركزية، وتقاسم الموارد، والتمثيل السياسي، كلها قضايا أساسية في أي عملية دستورية جادة، ولا يمكن بناء دولة مستقرة من دون معالجتها. لكن السؤال هو: هل هذه هي نقطة البداية؟
السودان اليوم لا يواجه مجرد خلاف حول شكل نظام الحكم، بل يواجه أزمة وجود دولة. فهناك حكومة معرف بها دولياً ومؤسسات رسمية، وفي المقابل سلطة أمر واقع فرضتها قوة متمردة مسلحة، فضلاً عن مؤسسات منقسمة، وسلاح خارج الاحتكار المشروع للدولة، وحدود مفتوحة لتدفقات السلاح والتمويل والمقاتلين.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال المنطقي: من هي الدولة التي ستنفذ أي ترتيبات دستورية أو سياسية يجري الاتفاق عليها؟ ومن سيضمن احترامها؟ ومن سيحتكر استخدام القوة لحماية النظام الدستوري الجديد؟
إن الحديث عن الفيدرالية أو تقاسم السلطات قبل الإجابة عن هذه الأسئلة يشبه الاتفاق على تصميم منزل قبل التأكد من وجود أساس يمكن أن يحمله. فالمشكلة ليست في شكل البناء، وإنما في غياب القاعدة التي يقوم عليها.
ولهذا، فإن جوهر الأزمة لا يكمن في الفيدرالية أو اللامركزية، بل في ترتيب الأولويات. فبناء الدولة يجب أن يسبق بناء نظام الحكم، لا أن يأتي بعده.
وقد يجادل منظمو مثل هذه اللقاءات بأن الحوار الفني لا يهدف إلى اتخاذ قرارات أو فرض حلول، وإنما إلى تبادل الأفكار والاستفادة من الخبرات المقارنة. وهذه حجة لها وجاهتها، فالسودان يحتاج بالفعل إلى نقاشات جادة حول مستقبله، كما يحتاج إلى الاستفادة من تجارب الدول الأخرى. لكن قيمة أي حوار لا تُقاس فقط بموضوعاته، وإنما أيضاً بتوقيت طرحها وترتيب أولوياتها.
لقد أثبتت التجربة السودانية خلال السنوات الماضية أن معظم المبادرات الدولية بدأت من السؤال نفسه: كيف يُحكم السودان؟ بينما ظل السؤال الذي يسبقه غائباً: كيف تُستعاد الدولة السودانية؟ فقد ركز منبر جدة على وقف إطلاق النار والجوانب الإنسانية، أي على إدارة آثار الحرب أكثر من معالجة أسبابها السياسية والأمنية. وانشغلت مبادرات أخرى بإعادة ترتيب السلطة المدنية قبل حسم الترتيبات الأمنية وتوحيد المؤسسة العسكرية. واليوم ينتقل النقاش إلى الفيدرالية وتقاسم الموارد والتمثيل السياسي، بينما يبقى السؤال المؤسس بلا إجابة: كيف تُستعاد الدولة وتُوحد مؤسساتها أولاً؟
ولا أقصد بهذا التقليل من أهمية الفيدرالية أو الإصلاح الدستوري أو إعادة توزيع السلطات والثروات، فهذه كلها ملفات لا غنى عنها لبناء سودان مستقر. لكن ترتيب الأولويات هو جوهر القضية. فالبداية المنطقية لأي عملية سياسية هي وقف الحرب وفقاً لترتيبات محددة، واستعادة مؤسسات الدولة، وبسط سيادتها على كامل أراضيها، وتوحيد احتكارها المشروع لاستخدام القوة، ثم إطلاق حوار سوداني شامل يقرر بحرية شكل الدولة ونظام الحكم. أما عكس هذا الترتيب، فقد أثبتت التجربة أنه يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
ولعل الوثيقة الدستورية لعام 2019 تقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد وضعت إطاراً سياسياً لإدارة المرحلة الانتقالية، لكن الترتيبات الأمنية وبناء مؤسسة عسكرية موحدة لم تكتمل، فظل أحد أهم أسباب عدم الاستقرار قائماً حتى انفجر الصراع. وليس المقصود أن الوثيقة كانت خاطئة في أهدافها، بل أن البناء السياسي سبق استكمال الأساس الأمني والمؤسسي الذي كان يفترض أن يحميه.
ومن هنا، فإن الاعتراض على اجتماع ويلتون بارك ليس اعتراضاً على الحوار، ولا على البحث في الفيدرالية أو اللامركزية، وإنما على أن يبدأ النقاش من الطابق العلوي بينما لا تزال الأساسات محل نزاع.
ووصف الاجتماع بأنه “حوار فني” لا ينفي أثره السياسي؛ فكثير من الأفكار التي تبدأ داخل مراكز التفكير تتحول لاحقاً إلى أوراق سياسات، ثم إلى مبادرات تفاوضية، ولذلك فإن اختيار الموضوعات والمشاركين يظل جزءاً من النقاش العام حول مستقبل السودان.
ومن حق السودانيين أيضاً المطالبة بقدر أكبر من الشفافية، من خلال توضيح معايير اختيار المشاركين ونشر خلاصات عامة للنقاشات، بما يحد من التأويلات ويعزز الثقة في مثل هذه اللقاءات. لقد أصبح المسار الدولي يمتلك قدرة كبيرة على إنتاج الاجتماعات، لكنه لا يمتلك القدرة نفسها على إنتاج النتائج. تتغير أسماء المبادرات، وتُكتب أوراق جديدة، بينما تبقى الفرضيات نفسها تتكرر من دون مراجعة جادة لنقطة البداية.
إن تقييم اجتماع ويلتون بارك لا ينبغي أن يقوم على أسماء المشاركين أو البيانات التي صدرت عنه، وإنما على السؤال الذي انطلق منه. فحتى إذا سلمنا بأنه لم يكن مفاوضات، ولم يكن منصة للوساطة، فإن القضية الجوهرية تبقى هي نفسها: هل يبدأ الطريق إلى السلام والاستقرار بإعادة تصميم نظام الحكم، أم بإعادة بناء الدولة؟
إن السودان لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات بقدر ما يحتاج إلى مراجعة الفرضيات التي قامت عليها تلك المبادرات. فالأزمة لم تكن نقصاً في الوسطاء أو الاجتماعات، بل خطأً في ترتيب الأولويات.
وقبل أن نسأل: كيف يُحكم السودان؟ ينبغي أن نجيب عن السؤال الذي يسبقه: كيف تُستعاد الدولة السودانية، وتُوحد مؤسساتها، ويعود احتكارها المشروع لاستخدام القوة؟
عندها فقط يصبح النقاش حول الدستور، والفيدرالية، وتقاسم السلطات والثروات، نقاشاً قابلاً للتطبيق، لا تصوراً نظرياً يصطدم بواقع دولة ما زالت تبحث عن وحدتها.
فبناء الدولة يسبق بناء نظام الحكم، كما أن تثبيت الأساسات يسبق تشييد السقف. وإذا لم يُصحَّح هذا الخلل في نقطة البداية، فستظل المبادرات تتبدل في عناوينها، بينما تدور الأزمة في الحلقة نفسها، وتتحول الوساطة، مهما حسنت نواياها، من أداة لصناعة السلام إلى وسيلة لإدارة الفشل.