تقارير

حملة «لازم نزرع» بولاية الجزيرة: الزراعة الصفرية مصدراً للقوت والأمل

في خضمّ سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من ولاية الجزيرة، منذ ديسمبر 2023 وحتى يناير 2025، كان محمد أحمد الخليفة (غيّرنا اسمه نزولاً عند طلبه) يطوف أنحاء الولاية الجريحة، وتحديداً بقسم ود حبوبة الزراعي، بمشروع الجزيرة، على عربة «كارّو» يجرّها حِمار، أو راجلاً، أو على دراجة، ليوزّع بذوراً على مزارعين ومواطنين، كثير منهم كانوا نازحين من ولاية الخرطوم وتقطّعت بهم السُّبل فلم يتمكّنوا من النزوح إلى خارج الجزيرة. وما كان سعيه هذا بطولة فردية، إنما كان مُنخرطاً ضمن حملة «لازم نزرع» التي أعلن عنها تحالف مزراعي الجزيرة والمناقل في يونيو 2023، قبل أن تبتلع رقعة المعارك الولاية بأشهر، داعياً إلى الزراعة في جميع الظروف. وواصلت الحملة عملها بعد ذلك، حتى حينما انعدمت جميع مقوّمات الإنتاج الزراعي، ومَنعت الدعم السريع المزارعين لأول مرة من الوصول إلى مزارعهم، وبدا أن الاستمرار في الزراعة مستحيل، لتدشّن الحملة بدءاً من يناير 2024 برنامج «الزراعة الصفرية». يحكي الخليفة لمراسل «أتَـر»، أنه كان يتسلَّم البذور من نقاط محدّدة، وسط انقطاع تامّ لشبكات الاتصالات، ويُسلِّمها مُباشرةً لمُستفيدين في قرى منطقة الحلاوين بمحلية الحصاحيصا، ويُشير إلى تعرُّضه في كثير من الأحيان لمضايقاتٍ من ارتكازات الدعم السريع التي كانت منتشرة حينئذٍ عند مداخل الكباري والقرى ومخارجها، بَيد أنه كان يفلت منها بعد لأي وجهد كبير في إقناعهم بأنه يوزّع بذوراً للسكّان ولا علاقة له بالحرب. ويمتدح الخليفة فضل رفاقه، وهم شبكة من المُبادرين ضمن الحملة، ويصفهم بأنهم «صناع الحياة الحقيقيون الذين رفضوا الاستسلام للجوع واليأس». وكانوا معاً يتناولون ويتبادلون بذور الأمل في ولاية ترزح تحت وطأة التهديد والتوتر الأمني والنهب وتوقف المشاريع الزراعية الضخمة، حيث تعطل أكبر مشروع مرْوي في أفريقيا «مشروع الجزيرة»، وتعرَّضت آلياته للنهب والتخريب، وقال: «كانت شجاعة هؤلاء المبادِرين تتجلَّى في توزيع البذور للزراعة المنزلية في ظلّ انقطاع سلاسل الإمداد وارتفاع الأسعار وشحّ السلع الغذائية؛ واتخذوا قراراً بتقديم حلّ عمليّ ومباشر، وهو تمكين الأسر من زراعة غذائها بنفسها في البيوت والمساحات الفارغة المتاحة. يُمثّل هذا الإقدام فعل مقاومة سلمية للحرب وتداعياتها».

لقد تحدّى هؤلاء المبادرون الواقع الأمني الذي فرضته الدعم السريع أثناء سيطرتها على المنطقة، وعملوا على توفير وتوزيع البذور والمدخلات الزراعية، حتى البسيطة منها، في بيئة يشوبها الخطر المستمر، وحولوا جزءاً من المنازل والأحياء إلى «ملاجئ للغذاء»، ما خفَّف من وطأة الجوع المُحتمَل.

يقول الخليفة: «كان عملنا خلال تلك الأشهر القاسية ينطوي على مخاطرة شخصية، وإيمان عميق بأن البقاء مرتبط بالحفاظ على مصدر القوت. لذلك كان الهدف الأساس للحملة، ولا يزال، هو الحثّ على ضرورة استمرار العملية الزراعية على نطاق واسع في مشروع الجزيرة والمناقل دفاعاً عن الأرض وتأميناً للغذاء لكل السودان، ومواجهة لخطر المجاعة. تمثّل الحملة رفضاً لتعطيل الإنتاج والسيادة الغذائية، وهي محاولة مستمرة لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة الذي يمثل عمود الاقتصاد السوداني».

استراتيجية الصمود ويقول مبادر وعضو بالحملة بقسم معتوق لمراسل «أتَـر»، فضَّل حجب اسمه، إنّ عملهم في المبادرة يمثّل «استراتيجية صمود حيوية»، خاصة بعد التدهور الكارثي للأوضاع الإنسانية ونقص الغذاء الحاد. ويشير إلى أنهم تمكّنوا من جعل الزراعة المنزلية صمام أمان للعائلات ومصدر غذاء فورياً ومستمراً: «لقد زرعت الأُسَر الخضراوات سريعة النمو مثل الجرجير والبصل والبامية والملوخية التي توفر مدخلات غذائية منتظمة. وبدلاً من الاكتفاء بمقادير قليلة من الحبوب الأساسية، أو الاعتماد على الأسواق المُتقلّبة أو المساعدات الإنسانية التي قد تنقطع، استفاد الناس من حملتنا وأصبحت زراعتهم المنزلية تُساهم في توفير الڤيتامينات والمعادن الضرورية، ما يحارب سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنازحين الذين يعانون من ضعف الخدمات الصحية».

ويستطرد قائلاً إنّ تجربة الزراعة المنزلية تمنح الأسر، وخاصة النازحين والعائدين، شعوراً بالكرامة والسيطرة على جزء من حياتهم، لأنها تُحوِّلهم من منتظرين للإغاثة إلى منتجين صغار، مشيراً إلى أن هذا عامل نفسي مهم للصمود. ويصف عملية العودة إلى زراعة الأراضي الصغيرة في المنازل بأنها حفظ لإرث المزارعين وتطبيق لمهاراتهم، ما يعزّز هويّتهم. وينبّه إلى أنّ النساء في الغالب هنّ القوة الدافعة وراء الزراعة المنزلية، ما عزّز دَورهن التمكيني في ضمان أمن الأسرة الغذائي والاقتصادي في ظلّ غياب أو انشغال الرجال بالقتال أو النزوح.

وللموسم الثاني على التوالي، يستعد فرح جابر، المواطن بقرية «النوبة» بريفي الكاملين، لزراعة جزء من منزله البالغ 1000 متر، ويقول لمراسل «أتَـر»: «هذه المرة سوف أزيد مساحتي الزراعية، ففي مثل هذا التوقيت من العام الماضي، زرعت خضروات شتوية، وتلقيت بذورها من حملة «لازم نزرع» ونزحتُ من منزلي بسبب الحرب في تلك الفترة مرّتين إلى مناطق قريبة، وكنت في كلّ مرة أرجع وأجد زراعتي قد هلكت فأعيدها مرة أخرى، وعلى الرغم من ذلك حصدت قدراً كبيراً من ثمارها وبعتها في سوق المسيد القريب من القرية، وكان عائدها عوناً في تدبير منصرفاتي اليومية، إذ كان دخلي اليومي من مزرعتي الصغيرة يتراوح بين 20 و30 ألف جنيه»، ويضيف: «أنا وجزء من سُكّان قريتي سوف نهزم مقولة «الحيشان التلاتة الفارغة» وسنحوّلها إلى مساحات خضراء، نستفيد منها». حماية الأرض
وفي سبتمبر من العام الجاري بدأت المرحلة الثانية من الحملة، وتستمر حتى نهاية العام، وتستهدف زراعة 10 آلاف مزرعة منزلية، وإنشاء مشاتل بقرى المشروع كافة، وتوفير 3 فقّاسات حديثة لإنتاج الدواجن، والانتقال إلى الغيط، بالمساهمة في صيانة قنوات الري ونظافة الحوّاشات من الأشجار. وتستهدف الحملة إنشاء بنك بذور خاص بمشروع الجزيرة.

ويقول القيادي بتحالف المزارعين وعضو لجنة إدارة الحملة، عبد الرؤوف عمر، لمراسل «أتَـر»، إنّ حملتهم لا تزال في بداياتها، وإنها تحتاج إلى جهد كبير لتطويرها للأمام، ويخبر بأنها بِنْت الظروف التي كان يعيشها السكّان بالجزيرة والسودان عقب حرب 15 أبريل، منبّهاً إلى أنها بدأت في شهر يونيو 2023، قبل وصول الدعم السريع للجزيرة، ببيان للمزارعين، توصّلوا فيه إلى أنّ هذه الحرب تهدف إلى تجويع الناس، واستناداً إلى هذا التصنيف فإنهم طرحوا وفقاً لعمر مقترح «الزراعة الصفرية» في الحقول والمنازل، خاصة بعد توقّف عمل إدارة المشروع بسبب وصول الحرب إلى ولاية الجزيرة، واستحالة وصول مدخلات الإنتاج إلى المزارعين، والنهب الكبير للآليات الزراعية.

ويشير إلى أنه، مع وصول الحرب إلى الجزيرة، وعَجْز المشروع عن القيام بدَوره، طالبت الحملة المزارعين، ممن تتوفر لهم ظروف أفضل للوصول إلى مزارعهم، بضرورة الزراعة، حتى ولو بالبذور التقليدية الموجودة لديهم، وبلا تحضير للأرض ما دامت مياه الري متوفرة. ويقول إنّ عدداً كبيراً من المزارعين قد استجابوا للحملة فزرعوا أراضيهم دون تحضير، وبتقاوي من المخزن دون معالجة بمضادّات الآفات، واصفاً تجاربهم بالناجحة. وقال عمر لمراسل «أتَـر»، إنّ التحالف قد أجرى بحثاً وتقصّياً على مزارعي الجزيرة والمناقل، فأظهرت النتيجة أنّ الذين بقوا في المشروع هم فقراء المزارعين والعمّال الزراعيين الذين لم تسعفهم ظروفهم المالية للنزوح داخل السودان أو الهجرة خارجه، وقال: «آلينا على أنفسنا دعمهم بالتعاون معهم، وأكّدنا على ضرورة إيجاد معالجات لتوفير الغذاء والبقاء في الأرض والدفاع عنها، وهذا هو الهدف الأساسي للحملة».

ويقول خالد مصطفى النعيم، من قرية أبوشنيب بمحلية الحصاحيصا، إنه استجاب لنداء التحالف وانخرط في الحملة، وزرَع مساحة 4 أفدنة ذرة، وقد كان يزرع قبل الحرب عادة ما بين 12 و16 فداناً بالذرة، ويقول لمراسل «أتَـر»، إنه زرع المساحة بتقاوي عادية، وبلا تحضير، وأنتجت له 30 جوالاً، وهو معدل إنتاج لا يقلّ كثيراً عن إنتاجه السابق، مع التحضير والتسميد والتقاوي الجيدة. وتعرّف خالد من خلال الحملة على مفهوم «الزراعة الصفرية»، وهو مرتبط لديه بالطوارئ، مشيراً إلى أنه زرع جزءاً من أرضه هذا العام، مع ارتفاع أسعار التحضير والتقاوي والأسمدة، بذات الطريقة. ويخبر بأن محصوله الآن في مرحلة الحصاد، ويصفه بالجيِّد. ويكشف النعيم عن أنه بفضل حملة «لازم نزرع» بدأ الآن في إنتاج سماد «الكومبوست» وهو سماد عضوي من مكوّنات عضوية، ويهدف إلى تطويره مستقبلاً إلى مصنع صغير، يقضي منه احتياجاته ويبيع ما يفيض في السوق.

الشقّ الحيواني والمشاتل
ويكشف عضو إدارة الحملة عبد الرؤوف عمر عن أنهم كانوا يستهدفون زراعة 3000 فدان بالزراعة الصفرية، لكن بسبب التدهور في بنية الري وتدمير القنوات الرئيسة والفرعية، تمكّنوا من الوصول إلى عدد قليل من المزارعين، وزرعوا 500 فدان، واستطاع عدد من المزارعين بها تأمين قُوْتهم. ويقول إنهم من خلال التجربة في المرحلة الأولى توصّلوا إلى أنّ نجاح الحملة والوصول إلى أكبر عدد من المزارعين يقتضي أن تستقرّ الأحوال بالجزيرة؛ الأمر الذي تحقّق وفقاً لعمر بعد سيطرة الجيش على الولاية، بَيد أن هناك مشكلات أساسية متعلّقة بالري وتدهور شبكة الري بالمشروع، وهو ما حدا بهم إلى تسخير جهودهم في المرحلة الثانية على صيانة جزء من شبكات الري بالمشروع. وتستهدف المبادرة صيانة وتطهير 80 قناة ري، بما يعادل 10% من القنوات بالمشروع. كما تستهدف في المرحلة الثانية الوصول إلى 10 آلاف أسرة للزراعة المنزلية كحدّ أدنى. وقال: «في المرحلة الأولى وصلنا 42 قرية و4 من الكنابي، ونهدف في المرحلة الثانية للوصول إلى جميع القرى والكنابي والأحياء بالجزيرة والبالغة 3000».

ووفقاً لعبد الرؤوف عمر، حدا بهم التناقص الكبير في أعداد الثروة الحيوانية بالجزيرة، بفعل ما لحق بها من نهب أثناء سيطرة الدعم السريع على الولاية، إلى التفكير في إدخال الشقّ الحيواني ودعم المزارعين لتملّك أبقار وأغنام وإنشاء مزارع للدواجن، في المرحلة الثانية من الحملة، إلى جانب الاستمرار في إقامة المشاتل لتوفير الأشجار المثمرة والخضروات، وتدريب النساء والشباب على هذه البرامج. ويقول عمر إنهم بدأوا في تكوين لجان في عدد كبير من قرى الجزيرة وقال: «لجان القرى تطرح الآن برامج متقدّمة جداً وأفكاراً وتعمل في شأنها المستقلّ، ماضيةً في جمع تبرّعات لتمويل المشاريع. وعلى الأسر، بخاصة النساء والشباب والأطفال، أن يتحوّلوا إلى قوى مُنتجة حقيقية وترتبط بما تأكله، في إطار تحقيق السيادة الغذائية لمواطني الجزيرة، وهو المدخل لمقاومة السياسات الزراعية التي تُفرض على المزارعين».

ويضيف قائلاً: «نستهدف الوصول إلى جميع القرى والكنابي، لتوفير البذور للجميع من أجل أن يزرعوا في منازلهم لتجاوز الظروف الراهنة، ونطلب من الناس توثيق عملهم في جميع مراحله من تسوية الأرض وطريقة الزراعة وريّها ومراحل تطوّرها حتى الحصاد». وكشف عن دعم يتلقّونه من مجموعة من النساء السودانيات بدولة كندا، وقال: «هذه المجموعة ساهمت معنا مساهمة فعّالة في نجاح الحملة الأولى، ونهدف الآن لتطوير التعاون معها».

وتقول آمنة حامد من قرية «تنوب» بمحلية الحصاحيصا، وهي من المشارِكات في الحملة، إنها زرعت بدعم من المبادرة مساحة 400 متر مربع بالخضروات، بعد تلقّيها البذور. وأفادت مراسل «أتَـر» بأنها وصلت إلى قناعة مفادها، أنّ الاستمرار في الزراعة المنزلية يوفر جزءاً كبيراً من الطعام ويقلّل من احتياجها للأموال الشحيحة أصلاً، على حدّ وصفها. وقالت: «بانخراطي في المُبادرة استطعت توفير خُضروات صحية طبيعية ومضمونة الجودة، كما تمكّنتُ من إضفاء لمسة جمالية على المنزل، فالزراعة المنزلية تُلطّف الجو المنزلي وتُقلّل من التلوّث البيئي. كما أنها نشاط جسدي مفيد وصحّي، يساعد في التخفيف من التوتر والقلق».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى