حمدوك في فرانس 24: خطابٌ رمادي وأداءٌ إعلامي مرتبك

خالد محمد أحمد

كشفت المقابلة التي أجرتها قناة فرانس 24 مؤخرًا مع رئيس تحالف صمود، الدكتور عبد الله حمدوك، عن مأزقٍ مزدوج تتجلَّى فيه المراوغة السياسية مع أداءٍ إعلامي مضطرب في لحظةٍ تاريخية لا تحتمل العموميَّات أو الرسائل الرمادية.

ابتُدِر اللقاء بسؤالٍ عن محاكمته في السودان في خروجٍ واضح عن القاعدة التحريرية التي تقضي بأن يُستَهلَّ الحوار التلفزيوني بموضوعه الأساسي المرتبط في سياق هذه المقابلة بجولة تحالف صمود الأوروبية لشرح مآلات الحرب ومعاناة السودانيين على حدّ قوله. غير أن هذا الاستهلال لم يكن اعتباطًا أو زلَّة تحريرية عابرة، بل كان مقصودًا لذاته لتهيئة المتلقّي نفسيًا لقبول سرديَّةٍ محدَّدة تقولِب حمدوك في صورة الضحيَّة المُلاحَق داخليًا، وتمنحه رمزيَّة الزعيم “المنفي” بدلاً من ظهوره كفاعلٍ اختار تدويل خطابه بإرادته.

اتَّسم كثيرٌ من أسئلة المذيع بطابعٍ إيحائي تلقيني واضح (leading questions)، ومن ذلك السؤال المتعلّق بإمكانية حسم الأزمة عسكريًا، وهو سؤالٌ لا يحتمل في الواقع سوى إجابةٍ واحدة متوقَّعة تتمثَّل في نفي الحلّ العسكري والتشديد على المسار المدني. الغرض هنا تجميلي بالأساس، إذْ تُعيد الإجابة تثبيت صورة السياسي المدني “العاقل” الذي يرى الجيش والدعم السريع طرفين يفتقران إلى الرشد السياسي، مقابل مدنيين تتجسَّد فيهم العقلانية الخالصة، ولا يأتيهم الباطل من بين أيديهم ولا من خلفهم.

وعندما طُرٍح سؤال التدخلات الأجنبية، وهو من أكثر الأسئلة بداهةً وإلحاحًا في أيّ منبرٍ يتناول الشأن السوداني، بدا حمدوك متلعثمًا وسقط في امتحان الوضوح، إذْ جاءت إجابته ملتبسة؛ فبدلًا من تسمية الأشياء بأسمائها، لجأ إلى إحالةٍ غامضة لتصريحٍ نسبه إلى سفيرٍ سوداني لم يُسمِّه أشار إلى ضلوع 17 دولة في الحرب.

لم تكن هذه الإحالة سوى محاولةٍ لتشتيت انتباه المتابع وتمييع السؤال وإفراغه من طابعه الاتهامي المباشر، ثم إعادة توجيهه دلاليًا نحو مسارٍ معاكس يُعاد فيه تأطير التدخل الخارجي من خانة الإدانة إلى أفق القبول، بل والتسويغ الأخلاقي والسياسي.

أما الأداء الجسدي، فقد أوحى بما حاول الخطاب اللفظي التخفيف من حدّته، إذْ بدَتْ على حمدوك مظاهر التوتر بطرْقه المتكرّر والمزعج على الطاولة، وإفراطه في الإيماءات والابتسامات المشحونة بالقلق. هذه ليست تفاصيل شكليَّة هامشيَّة في المقابلات التلفزيونية، بل تحمل دلالاتٍ نفسية وسياسية، وخاصةً حين تصدر عن شخصيةٍ تمرَّست طويلاً في الظهور الإعلامي. وقد أضعف هذا الاضطراب الجسدي صورة الاتزان المفترض، وأوحى بأن حمدوك لم يكن مرتاحًا أو مسيطرًا على مجريات الحوار.

كما لوحِظ سعي حمدوك الواضح إلى استمالة المذيع من خلال مناداته باسمه غير مرَّة، إضافةً إلى إصراره في نهاية اللقاء على شكر القناة على بثّ تقريرٍ يتهم الجيش السوداني باستخدام أسلحةٍ كيميائية رغم وضوح استعجال المذيع لإغلاق الحلقة. ورغم أن هذا السلوك قد يُبرَّر ضمن إطار “الدبلوماسية الإعلامية”، فإنه حمل طابعًا تودُّديًا زائدًا لا تفرضه ضرورات المقابلة، ولا يخدم مضمون الرسالة.

في المحصّلة، لم يُضِف لقاء فرانس 24 جديدًا نوعيًا إلى خطاب حمدوك بقدر ما أكَّد جمود رسالته في محطة الإقصاء، وضعف أدائه الإعلامي، الذي اتَّسم بالبرود، والتردُّد، والإجابات الملتبسة، والأداء الجسدي المضطرب. وقد تضافرت هذه العناصر لتُفرغ المقابلة من أيّ أثرٍ سياسي ذي وزن في لحظةٍ سودانية بالغة التعقيد لا تحتمل المواربة، ولا يُجدي فيها ركود الخطاب.

23 يناير 2026

Exit mobile version