حسَّان بن ثابت والحارث بن هشام والعميد جودات!!

عمر الحبر يوسف

لا أعرف اعتذاراً عن هروب من ميدان معركة  أو فرار أو انسحاب أو (إعادة تموضع) أبلغ ولا أحسن من ردِّ الحارث بن هشام المخزومي _وهو مشرك قبل أن يسلم _ لمَّا عيَّره سيدنا حسَّان بن ثابت بفراره يوم (بدر).

كان حسَّان رضي الله عنه قد قال يذكرُ الحارثَ و فراره :

إنْ كنتِ كاذبةَ الذي حدَّثتِني *** فنجوتُ مَنْجَى الحارثِ بنِ هشامِ

ترك الأحبَّة أنْ يُقاتلَ دونَهم *** ونَجَى برأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ

(يقول حسَّان إنَّ الحارث تركَ الأحبَّة من أمثال أخيه الحكم بن هشام “أبي جهل” يُقتلون في بدر، وآثرَ النَّجاة على القتال دونهم، وفرَّ بفرسه السريع)

فكان ردُّ الحارث بن هشام لمَّا بلغه هجاءُ حسَّانَ له بالفرار :

اللهُ يعلمُ ما تركتُ قِتالَهم *** حتى عَلَوا فَرسِي بأشقرَ مُزبِدِ

وعلمتُ أنِّي إنْ أُقاتِلْ دونَهم *** أقتلْ ولا يَضْرُرْ عَدُوِيَّ مَشْهَدِي

فصَددتُ عنهم والأحبَّةُ فيهمُو *** طمعاً لهم بعِقابِ يومٍ مُرْصَدِ

الحارث يقول لحسَّان إنَّه بتعبيرنا السُّوداني (مَرقْ من تِحتْ ضُلّ السَّيف!!)حقيقةً لا مجازاً ، ذاك بالضبط قوله “حتى عَلَوا فرسِي بأشقرَ مُزبدِ”

فلما بلغ هذه الحال وعلم أنَّه إنْ واصلَ قتالَه فهو مقتولٌ لا مَحالة، وثباته هنا لا معنى له مادام هو ثباتُ الذي ينتظرُ الموتَ فقط، ثم هو ثباتٌ لا يضرُّ عدوَّه بشيء ، عند ذلك اختار الصُّدودَ ، وتركَ من خلفه قتلاه من الأحبَّة، لكنَّه يفرُّ هنا لِيَكُرَّ من جديد “طمعاً لهم بعقابِ يومٍ مُرْصَدِ”  يرصد للمسلمين يوماً بيوم (بدر) ينالُ فيه منهم ، ويثأرُ فيه لقتلاه ، ويثأرُ لفراره نفسِه الذي يُعيِّره به الآن حسَّان!!

أحسن ما في اعتذار الحارث بن هشام المخزومي هنا هو هذا الصِّدق الشديد، ثم الرجل بالفعل عاد لقتال المسلمين في غزوة (أُحد) ولم يكن “خبير انسحابات ل ١٠٠ ميل كالمليشيّ قُجَّة”

أسلمَ الحارثُ بن هشام يومَ فتح مكة، وأبلى في الإسلام بلاءً حسناً ، واتصل جهاده فيه إلى معارك أجنادين واليرموك في الشام.

وأمَّا (جودات) فقاتلَ أولَ الأمر المليشيا في (نيالا) حتى نفدت ذخيرتُه أو كادت، وعلم أنَّه إنْ يقاتلْ ” يُقتلْ ولا يضررْ عدوَّه مَشهدُه” فانسحب بجنوده وهو يرصد للمليشيا يوماً،  لا بل أرصد لها أياماً نَحِسَات!

كَرَّ جودات على المليشيا ب(الصَّياد) فسَاقهم سَوق (الضَّان) من بحر أبيض إلى كردفان!!

من  النيل الأبيض إلى شمال كردفان إلى جنوب كردفان، ذهب جودات يُحرِّرُ المدينة بعد المدينة،  ويَفُكُّ حصاراً بعد حصار حتى انتهى إلى الدلنج وكادقلي.

رضي الله عن الحارث وحسَّان، ما تعاقب الجديدان.

وجاد الله على أهل السودان عزًّا ونصرًا وفتحًا ب(جودات) وإخوان جودات

وتقبَّل الله الشُّهداءَ من إخوان جودات (العلَّموا الجبل الثَّبات)

Exit mobile version