

بقلم: خالد سعد
يكافح السودان بعدة طرق إلى إعادة مواطنيه إلى بلادهم، فيما لا تزال الحرب مشتعلة في أجزاء واسعة من البلاد، وما تزال البلاد تستنزف الكوادر الكفؤة، وتفقد جزء من قوتها العاملة من الذين يفترض أن يعيدوا تشغيل ما تبقى وبناء ما تهدم، في ظل غياب توافق وطني على مشروع تنموي شامل يعيد بناء البلاد بشكل جديد.
من المؤسف أن لا تجد مثل هذه القضية التي تعد من أهم معارك الاعمار أثناء أو بعد إنهاء الحرب، أي تصور شامل عدا مساهمات لجنة العودة الطوعية في التفويج، وقرارات الاعادة الالزامية التي تتخذها الحكومة في مواجهة موظفي الخدمة المدنية أو على صعيد التعليم العالي بالزام الجامعات إعادة فتح أبوابها بغض النظر عن مدى توفر الأستاذ الجامعي أو مستلزمات البيئة الجامعية، بل أن القرار الملزم لا ينظر حتى إلى توفر الطلاب أنفسهم الذين اضطروا للنزوح الداخلي أو اللجوء أو المشاركة في القتال، وبعضهم اختار استكمال تعليمه في الخارج أو اضطر للتوقف عن الاستمرار.
هذا الوضع الملحوظ بالمعايشة، ما يزال ظاهرة تفتقد الاحصاء الدقيق أو الدراسة التي تحيط بجوانبه وآثاره الخطيرة على مستقبل البلاد، ولم تبرز سوى دراسات جزئية ومحدودة اهتمت بالقضية ولفتت الانتباه، لكنها على الأقل توفر نقطة أساس لمعرفة حجم تداعيات الحرب على السكان، إذ لم تكتف الحرب فقط بتدمير المستشفيات والجامعات ومؤسسات الدولة ومرافق الإنتاج بل أمتدت لاضافة طبقة جديدة من فقدان الكفاءات والقوى العاملة.
بالطبع لم تبدأ الظاهرة مع الحرب، فقد أظهر مسح لسوق العمل السوداني لعام 2022، أن معدل المشاركة في قوة العمل بين السكان في سن 15–64 عاماً بلغ 37.9%، مقابل معدل توظيف قدره 34.8% ومعدل بطالة بلغ 8.4% (من قوة العمل)، كما يشير المسح الذي أعده الجهاز المركزي للاحصاء بشراكة مع منتدى البحوث الاقتصادية ERF، إلى هيمنة أشكال العمل غير الرسمي على جانب كبير من النشاط الاقتصادي، ويتيح المسح، الذي أُجري قبل الحرب، بيانات تفصيلية عن العمالة والمهن والتعليم والتدريب والمهارات والهجرة.
آخر احصاءات المنظمة الدولية للهجرة ومفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، تشير إلى أن اجمالي عدد السودانيين العائدين إلى مناطقهم وديارهم بلغ نحو 4.6 ملايين شخص (منهم حوالي 82% عادوا من النزوح الداخلي، و18% من دول اللجوء الخارجي)، وعقب اندلاع الحرب قدر عدد النازحين داخليا في السودان بنحو 8.6 مليون شخص، بينما تجاوز عدد اللاجئين السودانيين الفارين إلى خارج البلاد 4 ملايين شخص، وبالمقارنة مع الأرقام الحديثة، فإن نسبة العودة من النزوح الداخلي هي الأكبر وأنه ما تزال هناك كتلة من اللاجئين خارج البلاد.
إن العودة الطوعية لعدد كبير من اللاجئين والنازحين إلى العاصمة الخرطوم والولايات الانتاجية الآمنة، قد يحقق نسبة جديرة بالرصد في حجم القوى العاملة، لكنها لن تكون كافية إذا نظرنا إلى مسوحات ما قبل الحرب، وكذلك إذا جاز لنا مقارنتها مع نتائج مسح محدود أجراه البنك الدولي في عام 2025 بين مايو – ويوليو، حيث شملت العينة 3,129 مستجيبا في الولايات السودانية الـ18، وغطت، من بين موضوعات أخرى، التشغيل والنزوح والتعليم والصحة، لكن الأهم منهجيا أن البنك الدولي استخدم مسح القوى العاملة لعام 2022 مرجعا لبناء أوزان مسح 2025، مع تعديل التوزيع الجغرافي وفق أنماط النزوح التي رصدتها المنظمة الدولية للهجرة، وفي هذا الخصوص ينبغي الاشارة إلى أن المسح هاتفي لرصد الرفاه الاجتماعي والآثار الاجتماعية والاقتصادية للحرب، وليس مسحا جديدا للقوى العاملة، وقد تتطلب البيانات الرقمية مزيد من الفحص والتدقيق من مختصين أكثر دراية.
وتشير نتائج برنامج الرصد الاقتصادي والاجتماعي للبنك الدولي إلى حجم الصدمة التي أصابت العمل وسبل العيش؛ فقد أفاد نحو 90% من المستجيبين بأنهم فقدوا وظائف بسبب الحرب.
من المهم الاشارة إلى أن فقدان الوظائف ليس بالضرورة يعني فقدان الكفاءات، كما أن النزوح لا يعني بصورة تلقائية خروج الشخص من سوق العمل، لذلك فإن قياس الخسارة الحقيقية يحتاج إلى النظر لما هو أبعد من أرقام البطالة والهجرة: كم طبيبا غادر؟ وكم أستاذا جامعيا فقد مؤسسته؟ وكم مهندسا توقف عن ممارسة مهنته؟ وكم من الكفاءات المهنية بقي داخل السودان لكنه لم يعد يعمل في المجال الذي راكم فيه سنوات من التعليم والخبرة.
على سبيل المثال فقط، أوردت دراسة منشورة للصادق سليمان بعنوان (ماهرون ولكنهم نازحون: التعامل مع هجرة العقول الجراحية في السودان خلال الحرب)، أن الحرب حفزت هجرة الكوادر الجراحية إلى الخارج، وأن أكثر من ثلثي الجراحيين تعرضوا للنزوح، وتوقف أكثر من نصفهم عن ممارسة المهنة، وقبل الحرب كان السودان يشهد بالفعل هجرة الكوادر الصحية في مختلف التخصصات.
وهناك دراسة لعلاء عمر وآخرون عن طلاب وكوادر التعليم الطبي وجدت أن 55.3% من المشاركين في الدراسة (224 طالب طب)، أفادوا بأن واحدا أو أكثر من أعضاء هيئة التدريس في مؤسساتهم غادروا السودان بصورة دائمة وأصبحوا يعملون في الخارج، وذلك مؤشر ايضا على خسارة في الممارسين والجيل الذي سيدرب ليحل محلهم.
وهو ذات الاتجاه الذي أظهرته دراسة تحليلية وصفية لآثار الحرب على قطاعي التعليم العالي والبحث العلمي في السودان لرانيا بليلة وحسام الدين أبو جبر، فقد أشارت الدراسة إلى أن المبحوثين فضلوا العبور خارج البلاد أثناء الحرب، ما يؤشر إلى احتمالية ممارسة أنشطتهم في الخارج، وعدم العودة خصوصا في حال حصلوا على وظائفهم في الخارج.
ولا تقف خطورة هذا الهدر في عدد الذين غادروا بلا عودة قريبة فقط، وإنما في ما يمثله هؤلاء من سنوات من التعليم والتدريب والخبرة والعلاقات المهنية والمعرفة المتراكمة، لا سيما دورهم الرئيس في التنمية والاعمار.
وخلاصة هذا المقال التحذيري، أن الحرب تحوي بداخلها مواجهة أخرى لا تظهر في المعارك الحربية، وتؤدي لاستنزاف رأس المال البشري، وهي خسارة قد لا تظهر كاملة في إحصاءات القتلى والنزوح والهجرة، بيد أنها قد تصبح واحدة من أكثر العقبات تأثيرا في قدرة السودان على التعافي وإعادة الإعمار.
بالتأكيد هناك حلول، وفي مقديمتها التوافق على مشروع تنموي شامل يضع اطارا لاعادة الاعمار أو البناء بشكل جديد كليا، ما يمهد لسياسات استعادة الكفاءات والحفاظ على صلاتها وتوفير بيئة آمنة للعمل واعادة النظر في منظومة التعليم والتدريب بشكل مواكب.
صحيح أن لكل دولة خصوصياتها المحلية، ولكن الأدبيات المعرفية توفر رصيدا هائلا من الحلول بما فيها الدراسات السابقة، وكذلك التجارب العملية في دول مشابهة خاضت هذه المحنة.