التحول الأهم في الحرب السودانية خلال الأشهر الأخيرة لم يعد فقط انتقال مركز القتال من الخرطوم إلى كردفان، وإنما التحول السريع في طبيعة القوة المستخدمة. فالحرب التي بدأت في أبريل 2023 بالمدفعية والمشاة والمدرعات أصبحت في 2026 حرباً تعتمد بدرجة متزايدة على الطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
تقرير رويترز الصادر الخميس يضع هذا التطور في سياقه الأكثر خطورة: قوات الدعم السريع كثفت هجماتها بالمسيّرات على مدن تسيطر عليها الحكومة في شمال كردفان، بينما أصبح الجيش هو الآخر يعتمد على الطيران والمسيّرات في ضرب مواقع الدعم السريع وخطوط إمداده.
لماذا كردفان؟
الجغرافيا تفسر جانباً كبيراً من التحول.
من يسيطر على كردفان يمتلك البوابة بين وسط السودان ودارفور. وبعد انتقال ميزان السيطرة في الخرطوم، أصبحت المعركة التالية مرتبطة بقدرة الجيش على التقدم غرباً، وبقدرة الدعم السريع على منع هذا التقدم والحفاظ على الاتصال بين مناطق نفوذه.
ولهذا أصبحت الطرق والقوافل ومخازن الوقود ومراكز القيادة أكثر أهمية من احتلال بلدة منفردة.
وهنا تظهر قيمة المسيّرات.
فالقوة التي تفقد القدرة على منع تقدم الخصم برياً تستطيع استخدام طائرة بعيدة المدى لضرب نقطة إمداد خلف خطوطه بعشرات أو مئات الكيلومترات.
المدنيون في قلب المعركة
لكن التكنولوجيا لا تجعل الحرب أكثر دقة بالضرورة.
فمع انتقال القتال إلى المجال الجوي أصبحت الأسواق والمستشفيات والمخازن والمدارس ومرافق الخدمات معرضة للضربات.
وقبل يوم واحد من تقرير رويترز، قالت اليونيسف إن هجمات بمسيّرات دمرت أكثر من 330 ألف كتاب ومواد تعليمية كانت مخصصة للأطفال في شمال كردفان قبل بداية العام الدراسي.
هذه الواقعة تلخص الأثر غير العسكري لحرب المسيّرات.
فالصاروخ الذي يدمر مخزناً للكتب لا يغير فقط نتيجة معركة آنية، وإنما يؤثر في تعليم آلاف الأطفال الذين فقد كثير منهم بالفعل سنوات دراسية بسبب الحرب.
سباق تسلح جديد
المشكلة الثانية أن السودان يدخل عملياً مرحلة سباق تسلح تكنولوجي.
كل طرف يبحث عن مدى أطول، وقدرة أكبر على الاستطلاع، وذخائر أكثر دقة، وأنظمة تشويش ودفاع جوي قادرة على إسقاط المسيّرات.
وهذا يربط الحرب السودانية أكثر فأكثر بشبكات السلاح الإقليمية والدولية.
وهنا تلتقي التطورات العسكرية مع تصريحات ماركو روبيو في نيويورك: استمرار الحرب، وفق الوزير الأميركي، أصبح مرتبطاً بصورة وثيقة بقدرة الأطراف الخارجية على تمويل وتسليح حلفائها.
ما الذي يمكن أن يحدث؟
إذا استمر الاتجاه الحالي، يمكن أن تصبح المدن الواقعة بعيداً عن الجبهة التقليدية جزءاً من ساحة العمليات.
كما ستصبح منشآت الكهرباء والمطارات ومستودعات الوقود وشبكات الاتصالات أهدافاً أكثر حساسية.
وهذا يعني أن مفهوم «المنطقة الآمنة» نفسه سيتغير.
فالسيطرة البرية على مدينة لا تضمن حمايتها من طائرة تستطيع الوصول إليها من مئات الكيلومترات.
وهذه ربما تكون أخطر نتيجة للتحول الجاري: الحرب السودانية لم تعد تتوسع جغرافياً فقط؛ بل أصبح مداها التكنولوجي يتجاوز خريطة السيطرة على الأرض.