يشكّل مبدأ القيادة بالمهمة (Mission Command) أحد الأسس النظرية والعملية للقيادة العسكرية الحديثة، ويقوم جوهره على تمكين القادة الميدانيين من اتخاذ القرار وفق تقديرهم المهني للموقف، ضمن الهدف الاستراتيجي العام الذي تحدده القيادة العليا، مع تحميلهم المسؤولية الكاملة عن النتائج. ويختلف هذا المبدأ عن النماذج التقليدية التي تركز على الأوامر التفصيلية والرقابة المركزية الصارمة، إذ يركّز على إدارة الغايات والنتائج بدلًا من التحكم الدقيق في الوسائل، بما يعزز المرونة وسرعة الاستجابة والقدرة على التكيف مع البيئات العملياتية المعقدة والمفاجئة. نشأ هذا المفهوم في المدرسة الألمانية ، ثم جرى تبنيه وتطويره في عقائد حلف شمال الأطلسي (الناتو) بوصفه نموذجًا ملائمًا للحروب الحديثة التي تتسم بضبابية المعلومات، وتسارع الإيقاع العملياتي، وتعدد مراكز التأثير. وتنبع أهمية القيادة بالمهمة من وضوح نية القائد والهدف الاستراتيجي، وبناء الثقة المتبادلة بين القيادة العليا والقادة الميدانيين، وتمكين المبادرة الفردية، وتحمل المسؤولية، بما يسمح للقوات بامتصاص الصدمات المبكرة ومنع العدو من استثمار عنصر المفاجأة لتحقيق شلل قيادي أو انهيار نفسي وتنظيمي، خاصة في اللحظات الأولى للأزمات العسكرية حين يصبح عامل الزمن أكثر حسماً من التفوق العددي أو المادي. وقد تجسدت هذه الفلسفة بوضوح في أداء القوات المسلحة السودانية خلال حرب الكرامة التي اندلعت في 15 أبريل 2023 عقب تمرد قوات الدعم السريع، حيث راهن العدو على تحقيق ضربة أولى مفاجئة تستهدف مراكز القيادة والسيطرة لإحداث صدمة استراتيجية تعطل القرار السياسي–العسكري. غير أن الاستجابة المبكرة للقادة الميدانيين في مختلف الوحدات، ومن بينهم اللواء نادر المنصوري قائد الحرس الرئاسي واللواء الركن طيار طلال علي الريح قائد قاعدة وادي سيدنا الجوية، أسهمت في كسر هذا الرهان وإفشال أثر المفاجأة. اضطلع اللواء نادر المنصوري بدور مركزي وحاسم تمثل في الدفاع عن مقر إقامة القائد العام، وهو موقع لا تقتصر أهميته على بعده العسكري، بل تمتد إلى رمزيته السياسية ودوره في ضمان استمرارية القيادة العليا ووحدة القرار ( وقد أسفر ذلك عن ارتقاء خمسةٍ وثلاثين شهيدًا من القوات التي كان يقودها ) وقد تعامل اللواء نادر مع هذه المهمة بوصفها مركز ثقل استراتيجي يجب الحفاظ عليه، فمارس صلاحياته القيادية ضمن نطاق الهدف العام دون انتظار توجيهات تفصيلية، مدركًا أن صمود هذا الموقع يعني حماية منظومة القيادة والسيادة ومنع العدو من تحقيق هدفه الأساسي المتمثل في شل القيادة في الساعات الأولى. وفي الوقت ذاته، قام اللواء الركن طيار طلال علي الريح بدور مكمل ومتكامل، تمثل في التعامل مع أهداف العدو بما يحد من حريته في الحركة والمناورة، ويمنع توسيع دائرة الصدمة الأولى. وقد أسهم هذا الدور في تقليص قدرة العدو على استثمار عنصر المفاجأة، وفرض عليه الانتقال من وضع المبادرة الهجومية إلى وضع رد الفعل، الأمر الذي حافظ على الإيقاع العملياتي للقوات المسلحة ومنح الوحدات البرية والقيادة العليا هامشًا زمنيًا لإعادة التنظيم والسيطرة. إن وضوح الأدوار التي قام بها اللواء نادر، الذي ركز على تثبيت مركز القيادة وحمايته، واللواء طلال، الذي ركز على تحييد تأثير العدو وتقليص قدرته على التصعيد، يعكس انسجامًا عمليًا عالي المستوى في تطبيق القيادة بالمهمة. فقد تحرك كل قائد ضمن نطاق مهمته المحددة دون تعارض أو ازدواجية، ودون الحاجة إلى تخويل استثنائي أو توسعة رسمية للسلطات، وهو ما يعكس خصوصية النموذج السوداني في ممارسة هذا المبدأ، حيث تُعد المبادرة جزءًا أصيلًا من الثقافة التنظيمية العسكرية وليست إجراءً ظرفيًا تفرضه الأزمة. كما يكشف هذا الأداء أن الشجاعة والإقدام والخبرات التراكمية لم تكن عناصر ثانوية، بل مكونات بنيوية في نجاح القيادة بالمهمة، إذ مكّنت القادة من اتخاذ قرارات حاسمة في بيئة ضاغطة، وتحمل نتائجها بثقة ومسؤولية. وقد أسهم هذا التفاعل بين وضوح الهدف، والمبادرة، والشجاعة، والخبرة في امتصاص الصدمة الأولى وتحويلها من تهديد وجودي إلى موقف قابل للإدارة والسيطرة. وعلى الرغم من أن القيادة بالمهمة نشأت في السياق الغربي، خصوصًا في المدرسة الألمانية وعقيدة الناتو، فإن التجربة السودانية في حرب الكرامة تُظهر نموذجًا متكيفًا مع الخصوصية الوطنية، حيث يلتقي وضوح الهدف وتمكين المبادرة مع خبرة ميدانية طويلة، وتنشئة عسكرية قائمة على الاعتماد على النفس واتخاذ القرار تحت الضغط. ويبرز الدور المتكامل لكل من اللواء نادر المنصوري واللواء الركن طيار طلال علي الريح مثالًا عمليًا لكيفية توظيف هذا المبدأ لكسر مفاجأة العدو وامتصاص الضربة الأولى، مع الحفاظ على تماسك الدولة ومنظومة القيادة والسيطرة. وتؤكد هذه التجربة أن القيادة بالمهمة في القوات المسلحة السودانية ليست إطارًا نظريًا مستعارًا، بل ممارسة عملية راسخة أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات المفاجئة، وضمان انسجام الأدوار، وحماية مراكز الثقل الاستراتيجية، بما يجعلها نموذجًا جديرًا بالدراسة والتوظيف في التخطيط العسكري والتدريب القيادي المستقبلي. ولو أُتيح توثيق التجارب القيادية التي أفرزتها الحروب في السودان في عمل جامع يُحاكي في رمزيته الأدبية حكايات كانتربري، وأُطلق عليه حكايات كانتربري العسكرية السودانية، فإن شهادات ضباط القوات المسلحة السودانية في ممارسة مبدأ القيادة بالمهمة ستكشف عن رصيد عملي بالغ الثراء من المبادرة والقرار المستقل تحت ضغط الصدمة العملياتية. فمثل هذا السفر لن يكون مجرد سرد لوقائع القتال، بل توثيقًا معرفيًا لتجربة قيادية تشكّلت في بيئة عملياتية معقدة، وعبّرت عن قدرة القادة على استيعاب نية القيادة العليا وترجمتها إلى أفعال ميدانية متناسقة، كما جسّدته أدوار القادة الذين أسهموا في كسر مفاجأة العدو وامتصاص الضربة الأولى.