تقرير – إدريس عوض
(الحرب المنسية)، أو (الحرب الأهلية)، أو غيرها من المسميات، تتعدد الأسماء والحزن واحد لحرب السودان التي لم تُبقي ولم تذر، أنتجت أعداداً مهولة من النازحين واللاجئين، والضحايا والمفقودين، ومازال الكثيرون يعانون من آثارها المدمرة.. أرواح فُقدت وممتلكات نُهبت وأُتلفت، عاش الناس حياة لم يتعودوا عليها من قبل في مناطق نزوحهم ولجؤهم، يكابدون من أجل توفير لقمة العيش لهم ولذويهم، ينجحون مرة، ويفشلون مرات، فالإنسان إبن بيئته كما تعلمون، وقليلٌ من يستطيعون الاندماج مع مستجدات حياتهم.
ذكرت منظمات الأمم المتحدة ووكالات الإغاثة المختلفة أرقام النازحين واللاجئين، وعن احتياجاتهم الإنسانية العاجلة، من كساء وغذاء ودواء، وفرت ما استطاعت منها في المعسكرات التي أقيمت لأجلهم، الجميع تحدثوا عن الآثار والخسائر المادية التي عانى منها النازحون جراء الحرب، والبعض ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ ناقشوا عمليات (إعادة الإعمار)، والمقصود هنا إعمار الأعيان المدنية ومنازل المواطنين التي تضررت أبلغ الأضرار، وهنا تحديداً برز سؤال مهم، ألا وهو: وماذا سنفعل لإعادة إعمار النفوس؟، وماهي إمكانية تهيئة الناس للعودة من جديد إلى أماكن لم تتهدم جدرانها فقط، بل ذكرياتها أيضاً، وهل يمكن لشخصٍ ما أن يتصالح مع (ذاكرة المكان) بشكلها الحالي، ويا ترى أي ذكريات تلك التي ستتغلب على الأخرى عند العودة للديار؟، ذكريات الزمن الجميل، أم ذكريات الرصاص وأصوات القنابل؟
في هذه المساحة استصحبنا في معيتنا ثلاث تجارب إنسانية مختلفة، في كل تجربة منها قصة لشخص اختبر طعم العودة إلى داره فعلياً في ولاية الخرطوم، مع اختلاف أسباب ودوافع عودتهم تلك، (أحمد)، موظف حكومي، يبلغ من العمر 54 عاماً، كان يعيش في أحد أحياء الخرطوم حياة مرتبة وبسيطة وروتينية قبل الحرب، انقلبت رأساً على عقب بعدها، (سامي) 32 عاماً، إعلامي مشهور من مواطني أم درمان، لم يكن يتخيل حياته بعيداً عن (أم دُر) ولو لسويعات، فهو لم يجرب مغادرتها من قبل، ولكن الحرب إضطرته لذلك، وأخيراً الشاعر الغنائي (عارف) صاحب الـ43 عاماً، يسكن مدينة بحري، يعشقها بجنون، رجل يهتم جداً بتفاصيل يومه منذ استيقاظه، وحتى عودته للنوم، يحرص كثيراً بألا يُعكر صفو مزاجه شيء، فهو كما يصف نفسه (كائن مزاجي) من الدرجة الأولى.
كل واحدٍ من هؤلاء حكى بتجرد تام تجربته في العودة، ويالها من تجارب، تجدونها في الأسطر التالية، لعلها تنجح في إماطة اللثام عن سردية صراع الذكريات في أماكن احتضنت الجمال ونقيضه.
ولا يفوت على فطنة القارئ استخدامنا للأسماء الأولى لأصحاب التجارب، لدواعي سلامتهم.
اختبار قاسٍ
يا للهول!!، هي أول ما تفوه به (أحمد) – الموظف الحكومي – حين وصل إلى باب منزلهم الكائن في الخرطوم بعد غياب عامين بسبب الحرب الدائرة في السودان، لم يكن يتوقع أن يكون حجم الدمار بهذا الحجم، يقول أحمد “يا لجحيم الحرب!! لم أكن أتوقع أن يصل حال بيتنا إلى هذه الدرجة من الخراب والدمار، لا يوجد أي شيء في مكانه، عدا الجدران، تحطّم كرسي أبي – رحمة الله عليه – المُفضّل والذي كان يجلس عليه في الأمسيات، لم نُحرك ذلك الكرسي من مكانه بعد وفاة أبي لما كان يُمثله لنا من قيمة كبيرة وعزيزة على قلوبنا، كنّا نُحسّه موجوداً بيننا كلما مررنا من أمام الكرسي، حتى الجدران التي كانت تردد صدى صوته وهو ينادينا، ما عادت تحمل تلك النبرة، واستبدلتها بأصوات الرصاص والمدافع، والحريق. مكتبتي العامرة سابقاً بأمهات الكتب، وجدتها وقد تحطم هيكلها إلى عدة أجزاء، والكتب كلها ممزقة وملقاة على الأرض وعليها آثار حريق، وأكثر ما أدهشني وجود (مروحة سقف) غرفة أخي الأكبر في مكانها، لم يمسسها شيء، كأنها وقد عميت عنها أبصار المُخربين، ودون أن أحس وجدت نفسي أسألها عما كانت شاهدة عليه كل هذه المدة، تمنيت لو استطاعت إجابتي عن كثير من التساؤلات ولكن هيهات.
خطوة للتعايش
أحمد كغيره من النازحين العائدين للديار، يبحث عن بارقة أمل تعينه على العيش مجدداً في المنزل الذي يحمل بين جنباته أفضل أيام حياته، وأجمل ذكرياته، يحاول تغليب ذكرياته الجميلة التي عاشها بمنزلهم قبل الحرب، على تلك السيئة والتي اضطرتهم للنزوح بعيداً عن الحي الذي ترعرعوا فيه وألفوا طرقاته وتعرجاته عن ظهر قلب، ولهم في كل ركنٍ فيه ذكرى جميلة وموقف، يؤكد أحمد أنه يكابد الآن من أجل إيجاد صيغة فعّالة تعينه على التواؤم من جديد مع مكانٍ بات مجرداً من أحلى ذكريات حياته، وتعينه على نسيان ذكريات الرعب والقتل والدمار التي زُرعت في ذات المكان، تملأه الحسرة حين يقف أمام ملعب كرة القدم المجاور لمنزلهم، ولا يجد غير ذكرى صدى صيحات الجماهير ومغالطات اللاعبين مع الحُكّام، تأتيه وكأنها آتية من زمان سحيق.. لتضعه في مواجهة السؤال الحتمي: هل سنعود كما كنا؟.
يقول أحمد: ذهبت إلى نادي الحي، الذي يجتمع فيه السكان بمختلف أعمارهم للترويح عن أنفسهم، كانوا سابقاً يجلسون في مجموعات حسب فئاتهم العمرية، مختلفون في أعمارهم لكنهم متفقون على الأُنس الجميل، تسمع ضحكاتهم من بعيد حتى قبل دخولك إلى النادي. ذهبت وأنا أمنّي نفسي باستعادة تلك الذكريات الجميلة، ومقابلة أصدقاء الأمس من جديد، لكنني للأسف لم أجد منهم أحداً، ليس بالمعنى الحرفي ولكني وجدت أجساداً أعرفها وقد سكنتها أرواحاً أخرى تمتلئ حزناً وأسى، نظراتهم حزينة، حديثهم مُنكسر، تحولت كل أحاديث أُنسهم إلى أحاديث الحرب وذكرياتها، شاردوا الذهن، كان أحد معارفي يحاول تذكير ثالثنا الذي يجلس معنا بإسم جارٍ لنا في الحي تم ذكره في معرض حديثنا، باءت كل محاولاتنا بالفشل في تذكيره، في نهاية المطاف اعتذر لنا بحزن وهو يهمهم (يا أصحاب.. ذاكرتي لم تعد كما كنت قبل هذه الملعونة) – يقصد الحرب – ولم يزد، ولم نكررها له، يصمت (أحمد) برهةً، ثم يتساءل: هل ينتصر حبّي للحياة وللذكريات الجميلة، أم سيُهزم أمام محاولات سيطرة ذكريات الحرب القاسية عليها؟.
هبوط اضطراري
“ما عاد أمامي من سبيل، سوى العودة إلى منزلنا أنا وأمي.. لقد تعبنا وعانينا كثيراً من النزوح”، هكذا يبتدر الإعلامي (سامي) حديثه، ويستطرد بالقول: كغيرنا من مواطني أم درمان نزحنا عن الديار حين اشتدت الحرب، ويممنا نحو الولايات الآمنة التي يقطنها أقرباؤنا، بدأنا بولاية النيل الأبيض، أقمنا فيها حوالي شهرين، وعندما أحسسنا بضيق أصحاب الدار، اتجهنا إلى ولاية كسلا، وبعد مرور شهرين ونصف حدثت نفس المواقف السابقة، ممن يُفترض أنهم ذوو قُربى، لا أدري هل غيرت الحرب صفاتهم، أم كشفتها على حقيقتها.
في كل مرة تحدث لنا تلك المضايقات، كنت أتذكر منزلنا وما يُمثله في نفوسنا من ملاذ آمن وحضن دافئ، كنت أترقب الأخبار لحظة بلحظة، حتى جاءتني أنباءٌ مؤكدة بهدوء الأحوال في أم درمان، ورغم علمي التام بعدم توفر الخدمات الأساسية في الحي، من كهرباء ومياه، إلا أنني لم أتردد لحظة واحدة في اتخاذ قرار العودة للمنزل، وياله من قرار!!
لن أنسى ما حييت لحظة وصولنا للمنزل، لأنها لحظة اختلطت فيها المشاعر، أحسست بقشعريرة تسري في جسدي حين دفعت باب المنزل لأفتحه بعد غياب عام ونصف، فرحٌ طفولي بالعودة، وحزنٌ عميق على حال منزلنا، ماتت الشجرة التي تتوسط (الحوش) وذبلت النباتات من العطش، آثار الرصاص منحوتة على الجدران، بعض النوافذ محطمة وبعضها مخلوع، لكن لا يهم، أنا الآن في موطني الصغير، داري وملاذي الذي لا يضيق بي ذرعاً، نعم، أنا هنا وكفى!!
أجمل ما رأيت بعد قرار عودتي للدار، تجمع الجيران لإفطار رمضان في الشارع أول أيام الشهر الفضيل، عندما أذن أذان المغرب، أجهش الحاضرون بالبكاء، وهم يرفعون الأكف بالدعاء أن ينعموا بالأمان الذي كان، نعم كانوا يبكون كما الأطفال، لم يهتموا إلا بتفريغ ما يعتريهم من أحزان أثقلت كاهلهم، هي لحظة لانتصار الذات، وبرهان بأن لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس، يالها من صورة تبعث الراحة في النفس، لما تعكسه من إصرار وأمل كبير بأن حياتنا ما قبل الحرب يمكن لها أن تعود، عندها أيقنت بأن التفاصيل الجميلة السابقة، يمكنها أن تعود بذات ألقها القديم.
كذلك أفرحني وجود بعض ممن بقي من شباب الحي، وهم يقومون بأعمال الترميم، ومساعدة الجيران في التفاصيل اليومية التي تعينهم على مواصلة الحياة دون يأس، يزرعون الأمل في النفوس قبل زراعتهم للأشجار، يسقون الأرواح التي تتوق للحياة من جديد قبل توفير السقيا لهم، هم بارقة أمل مضيء تُنبئ الناس بأننا مازلنا بخير، وأننا بالتعاون والتكافل حتماً سنعيد حياتنا إلى الأجمل.. ويبقى الأمل.
وأخيراً يحكي سامي بأسى شديد عن صباح أول يوم بعد عودته للمنزل، يقول: طيلة الأعوام السابقة كنت أصحو من نومي على صوت جرس الطابور الصباحي للمدرسة المجاورة لمنزلنا، ومن بعده ترديد التلاميذ لـ(نشيد العلم) بحماس شديد، افتقدت أصواتهم الجميلة في ذلك الصباح، ولكنني وجدت نفسي أردد همساً: (هذه الأرض لنا) ليرتفع بها صوتي شيئاً فشيئاً ويملأني الأمل من جديد بأنه (فليعش سوداننا علماً بين الأمم)، نعم يا بني السودان يجب أن تكون بلادنا علماً بين الأمم فـ(هذا رمزكم) الذي توجب أن نحافظ عليه.. هنا بالذات وجدتني أقارن حالتي ما بين مآسي النزوح التي تعرضت لها، وما بين رجوعي لمنزلي، أصدقكم القول بأن الفرق شاسع، يكفي إحساس الدفء والأمان اللذان يطوقاني ويمنحاني القوة والأمل بأني قادر على العيش بهناء كما كنت في السابق.. وبنظرة سريعة إلى حياتي السابقة وجدت أن ما بها من تفاصيل ليست عصيّة على التحقيق من جديد، فقط قليل من العمل مع الإيمان الصادق بإمكانية الوصول، وحتماً سوف أصل.
تاريخ مسروق
ولأهمية رأي ذوي الاختصاص في قصتنا هذه، توجهنا للدكتور طارق الفاضل، اختصاصي الطب النفسي لنستكشف معه رؤية علم النفس في هذه القضية المؤرقة.
يقول دكتور طارق: العودة إلى البيت بعد الحرب ليست مجرد رحلة بالسيارة أو فتح قفل باب المنزل من جديد؛ هي في الحقيقة رحلة (رجوع للذات). أصعب ما يواجهه العائد ليس الحوائط المهدمة أو الأثاث المسروق، بل هو ذلك الشعور الغريب بأن “بيتي لم يعد يشبهني”.
وأكبر وجع نفسي يواجهه العائد هو رؤية مكانه الآمن وقد استبيح. الإنسان يبني ذكرياته في زوايا البيت: “هنا لعب الأطفال، وهنا كانت جلسة الشاي”. حين يجد الغريب وقد عبث بهذه التفاصيل، يشعر وكأن جزءاً من تاريخه قد سُرق. هذا الشعور يجعل الشخص يقف غريباً في صالة منزله، وكأن الجدران صامتة لا تعرفه.
الحرب تحاول “مصادرة” ذكرياتنا الجميلة وتضع مكانها صوراً قبيحة (رصاص، دمار، غبار). النجاح في العودة يعتمد على قدرتنا على عدم الاستسلام لهذه الصور والتي لابد من الاجتهاد في طمس آثارها ببعض المحاولات مثل كسر الصورة القديمة: حيث أن تنظيف البيت، وإزالة الركام، وإعادة طلاء الجدران، ليست مجرد أعمال صيانة، بل هي “غسيل للذاكرة”. وحين تغير لون جدار أصابته رصاصة، فأنت تمسح أثر الخوف وتضع مكانه أثر الأمل.
كذلك تغيير ملامح المكان: فإذا كان هناك ركن في البيت يرتبط بذكرى سيئة أو خوف شديد، يفضل تغيير وظيفته، وإعادة ترتيب الغرف، وتغيير أماكن الجلوس؛ هذا التغيير البسيط يكسر الرابط بين المكان والوجع القديم.
ولا ننسى الجيران و(اللمّة): إذ أن البيت لا ينهض بالحجر وحده، بل بالبشر. لذلك عودة الجيران وتبادل الزيارات وتفقد أحوال بعضنا البعض هو “سند حقيقي بعد الله نستند عليه لنتجاوز المرارة. عندما يمتلئ الشارع بأصوات الناس مجدداً، تبدأ الذكريات القبيحة في التراجع لتترك مساحة لقصص جديدة تُكتب الآن.
وفوق ذلك كله استمداد التوفيق من الله وطلب شرح الصدور منه وإذهاب الهم والحزن وأن يربط على القلوب ويمنحها الثبات فإن ذلك فوق كل سبب.
نجاح المواجهة
يواصل دكتور طارق حديثه قائلاً: يجب ألا نستعجل الشفاء النفسي؛ من الطبيعي جداً أن تبكي حين ترى بيتك مخرباً. هذا الحزن هو اعتراف بقيمة ما فقدت. لكن تذكروا دائماً أن “المكان” هو أنتم، وما دام الإنسان بخير، فبإمكانه دائماً أن يطرد ذكريات الحرب ويصنع من الخراب حياة جديدة وأجمل مما كانت.
وتبقى حرب السودان جرحاً غائراً في ذاكرة المكان والناس، لكن عودة النازح إلى دياره هي أولى خطوات التعافي الحقيقي. إن استعادة البيوت ليست معركة بناء وإعمار فحسب، بل هي معركة إرادة وذاكرة.
لقد حاول الخراب أن يصادر أجمل ما نملك؛ أماننا وذكرياتنا وتفاصيلنا الصغيرة، إلا أن القدرة البشرية على التأقلم تظل هي المستند من بعد الله الذي نستند إليه للنهوض من جديد. حين نفتح أبواب بيوتنا المهجورة، نحن لا نفتح أخشاباً وحديداً، بل نفتح آفاقاً لحياة جديدة، نغسل فيها غبار الوجع ونستبدل ضجيج الرصاص بضحكات الأطفال وجلسات الجيران.
إن ترميم الخاطر المنكسر يبدأ من تلك اللمسة الحانية على جدار مجروح، ومن تلك الابتسامة التي تعلن أن الإنسان أقوى من الدمار. بيوتنا ستعود بيوتاً بوجودنا فيها، وبإصرارنا على أن نزرع في كل ركن أمل جديد، لتظل الذكرى الجميلة هي المنتصر الأخير في معركة البقاء.
تفاعل مختلف
ويوضح دكتور طارق اختلاف ردود الفعل وتفاعل الناس مع الأحداث التي أفرزتها الحرب وآثارها بالقول: أولاً: اختلاف التجربة التي مرّ بها كل شخص، باعتبار أن الحرب لم يعايشها كل الناس بنفس الطريقة، فمن فقد قريباً أو شهد مواقف قاسية داخل بيته، ستكون صلته بالمكان مؤلمة أكثر، بينما من ابتعد مبكراً قد تكون صدمته أقل.
ثانياً: قوة الارتباط بالمكان، حيث نجد أن بعض الناس كانت علاقتهم بالبيت قوية جداً، فيه ذكريات الطفولة، فيه الأهل والأحداث المهمة، فهؤلاء قد يتألمون بشدة عند رؤيته مخرّباً.
بينما آخرون كانت علاقتهم أضعف، ربما لأنه انتقل إليه حديثاً فيكون تأثرهم أقل.
ثالثاً: طبيعة الشخصية، حيث أن الناس يختلفون في طريقة التعامل مع الصدمات، فهناك من يتماسك بسرعة ويحاول التكيّف، وهناك من يتأثر لفترة أطول ويشعر بالحزن أو القلق، وهذا ليس ضعفاً أو قوةً، بل اختلاف طبيعي بين البشر.
رابعاً: وجود الدعم من عدمه، إذ أن الشخص الذي حوله أسرة، وأصدقاء ومجتمع داعم، يكون أقدر على التحمّل. أما من يشعر بالوحدة، فقد تكون صدمته أشد.
خامساً: نظرة الإنسان للحياة، فبعض الناس ينظرون لما حدث على أنه نهاية وخسارة كبيرة، وآخرون يرونه ابتلاء يمكن تجاوزه أو بداية جديدة. وهذه النظرة تؤثر كثيراً في رد الفعل.
سادساً: شكل الدمار نفسه، حيث تختلف رؤية بيت مهدوم جزئياً عن بيت دُمّر بالكامل، كما أن وجود أشياء باقية (صور، أثاث، معالم مألوفة) قد يخفف الصدمة، بينما الدمار الكامل قد يترك أثراً أشد.
الذكرى المنسية
(عارف)، شاعر غنائي يعمل في المجال الفني، يقطن (بحري الجميلة)، كما يحلو له أن يسميها، إضطرته الحرب للنزوح إلى ولاية البحر الأحمر بادئ الأمر، ثم غادر السودان إلى إحدى دول الخليج، حاول جاهداً أن يغالب شعوره بالحنين إلى المنزل، والانخراط في حياته الجديدة، كل الظروف كانت مهيأة لبداية جديدة في مجاله الذي يحبه – الانتاج الفني – ولكن!!
يقول (عارف): صباح كل يوم أصحو على أصوات العصافير التي كنت أرعاها في بيتنا، وعلى تفاصيل جلسات السمر أمام المنزل مع الأصدقاء والجيران، وغيرها من المشاهد، حاولت مقاومة هذا الحنين، ولكني لم أستطع، قمت بإجراءات إلغاء الإقامة، وعدت أدراجي إلى عشقي الأبدي.. (بحري الجميلة)!!
ويواصل (عارف) بنبرة حزينة، هل تُصدق، أنني جلست على الأرض داخل منزلنا قرابة الساعتين وأنا أتأمل بحزن عميق ودهشة عارمة آثار الدمار في كل شيء حولي، الأثاث، الجدران، النوافذ والأبواب، التوصيلات الكهربائية الخاصة بالمنزل، وبالتأكيد (قفص العصافير)!! ولولا أنني أحفظ طريق منزلنا عن ظهر قلب لأعتقدت بأنه ليس هو!!، حاولت تجاوز هذه الصدمة بالخروج للجيران وتفقد أحوالهم، فكما يقولون المرء كثير بإخوانه، وعسى أن أجدهم في حالٍ يبعث الطمأنينة إلى نفسي بأن القادم أجمل.. ولعلهم يمنحونني القوة اللازمة لصيانة المنزل وتهيأته لعودة أسرتي من الولاية الشمالية التي نزحوا إليها.
ولكن للأسف.. لم تعد الطرقات كما كانت، تهدمت بقالة (عم محمد) عن آخرها، (مخبز العمرابي) دُكت جدرانه وخرج عن الخدمة وهاجر صاحبه خارج البلاد، سوق الخضروات أصبح هشيماً تذروه الرياح، وكانت الفاجعة في نبأ رحيل أصدقاء الصبا (مختار، الطاهر وخالد) أثناء الحرب وبأبشع الصور كما قيل لي، حتى أستديو الانتاج الفني خاصتي عندما زرته، لم أتعرف عليه، و الغريب أن الآلات الموسيقية لم تكن مفقودة، ولكنها محطمة بحقد واضح، يبدو أن الفاعل لا يعرف للجمال سبيلاً، وعندما شرعت في حصر الأضرار توطئة لحساب تكلفة إصلاحها مجدداً وجدت إنني أحتاج لمبلغ لا أستطيع له طلبا، خصوصاً أن حال جميع معارفي يغني عن السؤال، عند هذه النقطة بالضبط سألت نفسي: إذن، أين هي بحري الجميلة، أين هي حياتي التي كانت، يبدو أنها دخلت أضابير الذكرى المنسية، واصطدمت بجدران استحالة العودة الكاملة.. وأنا الذي لم أتعود عليها منقوصة.
(عارف) لم يستطع أن يقيم أكثر من يومين في المنزل، أحس بغربة أضعاف ما كان يحسه في بلاد المهجر، غربة في المنزل.. غربة في طرقات الحي.. غربة مع الجيران.. يقول: كنت أبكي كل ليلة وأنا أستذكر ما كنا عليه وما أصبحنا فيه، المقارنة كانت معدومة، وكل أبواب الأمل في استرجاع حياتنا التي كانت هنا، كانت موصدة بإحكام، لم أجد بُداً من حمل حقيبتي ومغادرة المنزل واللحاق بأسرتي في الولاية الشمالية، وأشد ما يحز في نفسي أن منزلنا ومرتع صبانا، وخزانة ذكرياتنا الجميلة، ما عاد كما كان.. للأسف!!
