حربٌ بلا منتصر….حين اسُتنزفت المنطقة وأضاعت بوصلتها

عبدالعزيز يعقوب – فلادلفيا
ayagoub@gmail.com
22 يونيو 2026

ليست أخطر الحروب تلك التي تُحصد فيها الأرواح أو تُدمر فيها المدن فحسب، بل تلك التي تُصيب الوعي الجمعي للأمم فتُربك إدراكها وتُشوّش رؤيتها للمستقبل. فالأوطان قد تعيد بناء ما تهدّم، والجيوش قد تعوض ما فقدته من عتاد، أما الأمم التي تفقد بوصلتها فإنها قد تظل سنوات طويلة تدور في المكان نفسه، تستنزف طاقاتها دون أن تقترب من أهدافها.
ولعل هذه هي المأساة الحقيقية التي عاشها العالم العربي والإسلامي خلال العقود الأخيرة. فبينما كانت المنطقة تمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والموقع الجيوسياسي ما يؤهلها لتكون أحد أهم مراكز التأثير في العالم، وجدت نفسها غارقة في دوائر متلاحقة من الصراعات والانقسامات التي استهلكت قدراتها وأضعفت قدرتها على بناء مشروعها الحضاري المستقل.

لقد ظل الصراع العربي الإسرائيلي لعقود طويلة يمثل القضية المركزية في الوعي العربي والإسلامي. ولم يكن ذلك مجرد انحياز سياسي أو عاطفي، بل تعبيرًا عن إدراك عميق لطبيعة التحدي الذي تواجهه المنطقة؛ تحدٍ يرتبط بقضايا الاحتلال والسيادة والاستقلال الوطني والعقيدة وتوازنات القوة ومستقبل شعوب المنطقة. وكانت الخلافات العربية، على تعددها، تدور في معظمها حول وسائل إدارة هذا الصراع لا حول موقعه في سلم الأولويات.

غير أن المشهد بدأ يتغير تدريجيًا مع صعود التوترات الإقليمية وتفاقم الاستقطابات المذهبية وتداخل صراعات النفوذ مع الانقسامات الفكرية والطائفية. ومع مرور الوقت انتقل مركز الثقل في الوعي السياسي من الصراع مع العدو التاريخي إلى صراعات داخل الإقليم نفسه، حتى أصبح الخوف من الجار أو المذهب أو المحور السياسي المنافس أكثر حضورًا من التفكير في التحديات الاستراتيجية الكبرى التي تواجه المنطقة بأسرها.

وهنا تكمن القضية الجوهرية التي تستحق التأمل. فالمشكلة ليست في وجود خلافات عربية إيرانية، فاختلاف المصالح بين الدول والشعوب أمر طبيعي لا يمكن إنكاره أو تجاوزه بالشعارات. كما أن من حق الدول أن تنظر بعين الحذر إلى السياسات التي ترى فيها تهديدًا لمصالحها أو أمنها القومي. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول هذا الخلاف إلى محور تدور حوله كل السياسات وكل المخاوف وكل التصورات، وعندما يصبح هو العدسة الوحيدة التي يُنظر من خلالها إلى المنطقة والعالم.

عند تلك اللحظة لا يختفي الخلاف فحسب، بل تضيع معه الأولويات. ويتحول الصراع من أداة لفهم الواقع إلى حجاب يحجب رؤية الواقع نفسه. فبدل أن تنشغل المنطقة ببناء عناصر القوة الذاتية، وتعزيز استقلالها الاقتصادي والتقني والعلمي، وإعداد أجيالها للمنافسة في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، أصبحت تستهلك جانبًا كبيرًا من طاقتها في صراعات لا تنتج غالبًا منتصرًا واضحًا، لكنها تخلّف قدرًا هائلًا من الاستنزاف والشكوك والانقسامات.

لقد كان من أكبر المكاسب الاستراتيجية التي حققتها إسرائيل خلال العقود الأخيرة نجاحها في الاستفادة من هذا التحول. فليس أعظم ما يحققه الخصم أن ينتصر في معركة، بل أن يدفع خصومه إلى إعادة ترتيب أولوياتهم بطريقة تخدم مصالحه. وحين ينتقل مركز الاهتمام العربي والإسلامي من الصراع معها إلى صراعات النفوذ والانقسامات المذهبية داخل المنطقة، فإن ذلك يمنحها مساحة أوسع للحركة ويضعف إمكانات تشكل رؤية عربية وإسلامية متماسكة تجاه القضايا الكبرى.

ولا يعني ذلك أن إسرائيل هي السبب الوحيد فيما جرى، أو أن جميع ما حدث كان نتيجة تخطيط خارجي مباشر. فالتاريخ أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نظرية واحدة أو فاعل واحد. غير أن النتيجة النهائية تظل واضحة وهي تراجع حضور القضية المركزية في الوعي العام، وصعود قضايا فرعية لتحتل موقع الصدارة، حتى أصبحت المنطقة أسيرة مخاوفها أكثر مما هي أسيرة خصومها.

وفي هذا السياق لعبت الحرب النفسية دورًا بالغ التأثير. فقد نجحت إسرائيل في ترسيخ صورة القوة التي لا تُهزم، كما ساهمت أخطاء السياسات الإقليمية المختلفة في ترسيخ صورة إيران باعتبارها الخطر المطلق الذي يفسر كل أزمات المنطقة. وبين الصورتين نشأت حالة من القلق المزمن جعلت كثيرًا من الناس يرون الواقع من خلال الخوف لا من خلال الوقائع.

والحال أن قراءة التاريخ تكشف أن الأمم لا تُدار بالانطباعات، بل بموازين القوة الحقيقية. فلا توجد دولة فوق التاريخ، ولا توجد قوة خارج قوانين الصعود والتراجع. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، لم تستطع أن تحقق استقرارًا نهائيًا أو أن تحسم صراعات المنطقة بصورة نهائية. وإيران، رغم ما تملكه من نفوذ وقدرات، تواجه بدورها قيودًا وتحديات وحدودًا موضوعية لقدرتها على التأثير. لكن الهزيمة النفسية تجعل الخصوم أكبر من حجمهم، وتجعل الأمة أقل ثقة بنفسها مما ينبغي.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس قوة خصومها، بل فقدانها القدرة على تحديد أولوياتها. فحين تضيع البوصلة يصبح الاستنزاف قدرًا دائمًا، وتتحول الخلافات إلى معارك وجودية، وتُهدر الموارد في مواجهة مخاوف متراكمة بينما تتراجع قضايا التنمية والتعليم والبحث العلمي وبناء الاقتصاد وتعزيز الاستقلال الوطني إلى الصفوف الخلفية.

ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى إلغاء الخلافات أو تجاهلها، وإنما إلى وضعها في حجمها الطبيعي. فليس مطلوبًا من العرب والمسلمين أن يتفقوا في كل شيء، ولا أن يتبنوا رؤية سياسية واحدة، بل أن يدركوا أن مصالحهم الكبرى أوسع من خلافاتهم، وأن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالخوف المتبادل، بل ببناء القوة الذاتية والثقة بالنفس والقدرة على إدارة التباينات دون تحويلها إلى صراعات تستنزف الجميع.

إن استعادة البوصلة تبدأ من استعادة الوعي. تبدأ حين ندرك أن الخلافات، مهما كانت حقيقية، لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن القضايا المصيرية. وتبدأ حين نحرر عقولنا من سطوة الخوف، وننظر إلى العالم بعيون المصالح لا بعين الهواجس، وبمنطق المستقبل لا بأثقال الماضي.

فالحروب العسكرية مهما طالت لا بد أن تبلغ نهايتها، أما الحروب التي تستهدف العقول فتمتد آثارها جيلاً بعد جيل. ولا تنتهي إلا حين تستعيد الأمة قدرتها على ترتيب أولوياتها، فلا تجعل الخلافات القابلة للإدارة بديلاً عن قضاياها الكبرى، ولا تسمح للمخاوف العابرة أن تحجب عنها التحديات التي تحدد مصيرها ومستقبلها. وعندها فقط تستعيد بوصلتها، وتتحول من أمة تستهلكها الصراعات إلى أمة تصنع مستقبلها بوعي وثقة واقتدار.

Exit mobile version