جيش السودان يصول فى الميدان .. ويُشكِّل الوجدان

محجوب فضل بدري

لم يكن البرهان أول قائد للجيش ولن يكون الأخير باذن الله تعالى،
نقول (البرهان) مجرداً من ألقابه المستحقة ليس غمطاً لحقوقه ولا تقليلاً من شأنه كما يفعل القحاطة. ولكن لأن الكل يدري من هو القائد العام لجيشنا. هذا المنصب الذي يخضع لتراتبية صارمة لا تعرف المجاملة ولا المحسوبية .

لعلَّ كثيراً من أبناء هذا الجيل لا يعلمون لماذا يحتفل الجيش بعِيدِهِ فى يوم 14 أغسطس من كل عام؟؟
وهم لا يسمعون اِلَّا أن عُمرَ هذا الجيش يزيد عن المائة عام !!
ولا يدروون بأن الجيش هو أول مؤسسة نظامية منذ قيام قوة دفاع السودان في يناير عام 1925م وقد سبق تجنيد السودانيين فى الجيوش قبل ذلك بكثير. وكانت تشكيلات قوة دفاع السودان تشمل الهجانة والشرقية والغربية والاستوائية، ووحدات المدفعية والمهندسين والإشارة والنقل، والتي صالت وجالت في بنغازي والكُفرة، وفي كرن (نيرانا زي جهنم) ،حتى تغنى لها الناس، يجوا عايدين ضباط مركز تعليم، الفتحو كرن بينين. ولم يكن استقلال السودان إلا ثمرةً مستحقة من ثمار مشاركة الجيش فى الحرب العالمية الثانية ضمن قوات الحلفاء ، مع حفظ نضال المدنيين، وما كان اختيار نشيد الجيش ليكون السلام الجمهوري إلا اعترافاً بفضل الجيش في تحرير بلادنا من ربقة الاستعمار .

ولم يحدثهم أحدٌ بأن سودنة الجيش قد اكتملت قبل أي مؤسسة سودانية أخرى، وترأس لجنة سودنة الجيش الأميرألاى إبراهيم عبود عام 1954م .وعبود حصل على رتبة ضابط منذ عام 1918م .

وقد استلم (الفريق) أحمد محمد الجعلي منصب القائد العام للجيش من القائد البريطاني كأقدم ضابط سوداني في أغسطس عام 1954م، ومن هنا جاء يوم عيد الجيش . تاريخ طويل عريض مجيد سطره الجيش بدماء أبنائه دفاعاً عن الأرض والعِرض لم يطلب سلطةً أو مالاً، وما أن عجزت الأحزاب في إدارة دفة حكم البلاد حتى سَعَت إلى الجيش تستحثه على استلام السلطة لإنقاذ البلاد من خطرٍ محدقٍ يتهدد وجودها، وذلك استناداً على قانون القوات المسلحة الذي يضع مسؤولية حماية الدولة على عاتق الجيش.
ولم يتوانَ الجيشُ عن تلبية نداء الوطن وهذا هو نهجه دوماً. وتغنىٰ الناسُ مُجدداً بالحارس مالنا ودمنا جيشنا ياجيش الهنا، ولعبود ياجبل الحديد، ورجال الجيش ياسعاد.. فمتى ما ادلهمّت الخطوب هَرَعَتْ الأحزابُ السياسية تطلب من الجيش التدخل، وهذا ما فعله الجيش فى مايو 1969م وفى أبريل 1985م ، وفى يونيو 1989م وفي أبريل 2019 ولم يتخلف أو يختلف أي حزب سياسي عن الأستعانة بالجيش لاستعادة النظام أو منع خطرٍ يتهدد البلاد على الاطلاق!! وعلى بالطلاق . ثم إنه لما وقعت حرب الكرامة لم يجد الناس غير الجيش ملاذاً وعضداً وسنداً وبذلاً وتضحيةً، وتسابقت كل الرتب إلى ساحات الجهاد، ولعل استبسال الحرس الرئاسي خير دليل إذ لولا ثبات هذه الكوكبة التي تفانت في الذود عن القائد الرمز لكان السودان فى خبر كانَ. ثم رأينا استشهاد رتب رفيعة جداً مع عدم ذكر الأسماء !!

ولولا الجيش لكانت مملكة عرب الشتات وحشود المرتزقة وجمهرة الشفشافة تحكم قبضتها الآن على عنق بلادنا، تستبيح الحرمات وتروِّع المدنيين الذين لم يجدوا ملجأً أو مُدخلاً أو رُكناً يستندون إليه سوى جيشنا، وما أن يحرر الجيش منطقةً إلا ويعود إليها أهلها يسبحون بحمد الله ثم يشكرون الجيش ويرفعون شعارهم الصادق (جيشٌ واحد شعبٌ واحد) ومع ذلك ينضموا ناس فوقوا الجيش!!

ومع كل هذه الصرامة خرج من عباءة الجيش من بَرَع في الفن والأدب والشعر، رجالٌ مشهود لهم بحسن البيان وقوة العارضة وكذلك في الموسيقى والرياضة على مختلف ضروبها تجد رجال الجيش وما جاءت دُور الرياضة وخشبة المسرح وقيام التلفزيون وتشييد طرق الأسفلت وتوليد الكهرباء إلا على يد الجيش في عهد الفريق إبراهيم عبود وقد دارت ماكينات المصانع في مختلف ربوع السودان في عهود الجيش من لدن أيام نميرى إلى أيام البشير حيا الله الجيش ورجال الجيش .

من نوادر الضبط والربط ما يُحكى عن المقدم محمد عثمان أحمد، والد اللواء عبد الرحمن محمد عثمان، قائد الهجانة،الذى ترجم الأوامر الحربية من الانجليزية إلى العربية وعمل سفيراً للسودان فى يوغندا، فى عهد مايو فيما بعد.

-خرج المقدم محمد عثمان أحمد وهو ضابط من خريجي المدرسة الحربية، مركز تعليم وكان شديد التمسك بالضبط والربط، خرج من القيادة الغربية بطابور سير في اتجاه الشرق، وعَسْكَرَ بقوته بالقرب من الضعين، ولما وصل الخبر للناظر إبراهيم موسى مادبو، خرج للترحيب بضيوفه وإكرامهم وأهدىٰ للجيش ثوراً ضخماً (كرامة) مش زي ناظر الزمن ده!! وانصرف الناظر.
فنادىٰ المقدم محمد عثمان بأعلىٰ صوته وقال: يا بتجاويش أنا عاوز Conference.
وجمع البتجاويش القوة ورُفع التمام وجلس المقدم محمد عثمان وسط قواته وقال: خلى بالك. تعليمات التور.
التور يُذبح، يُذبح. (تكرار الغرض من أساسيات الأوامر الحربية) .. الجلد يُسلخ، يُسلخ ، اللحم يُقطع على شكل شرائح، شرموط. ويُجفف، خلى بالك يا بُلك أمين لازم تتأكد إنه اللحم جاف قبل ما تدخله العهدة لأن وزنه بينقص ولما تجي المراجعة حتكون في ورطة وأنت ولد كويس ما تدينا فرصة فيك.
الجلد نقارة للسرية.
الراس والعفشة للعساكر يعملوا بيها هلولة. أى سؤال!! هذه القصة تبين لنا مدى الدقة والحرص على المال العام ولو جاء على سبيل الهدية.
التحية للجيش فى عيده والتهنئة له فى انتصاراته المتلاحقة.

Exit mobile version