

إشارات
راشد عبد الرحيم
لم يكن علي عهد طفولتي
الكثير من الجنوبيين في الخرطوم و كان اغلبهم من النوير الذين إشتهروا بالعمل كطلب في المباني .
كنا نعمل في العطلة لتوفير حاجياتنا للمدارس رغم ان أسرتي كانت في وضع مالي جيد .
تعرفت في العمل علي نويراوي اسمه ( تعريفة ) رجل ظريف و شهم و كانت والدتي ترفض علاقتي به بسبب أنها فقدت شقيقتها في مذبحة توريت .
كنت متشوقا لرؤية الجنوب فعزمت علي السفر و شجعني الصديق خلف الله ادم من أبناء الجريف غرب و كان يعمل في تجارة الفواكه و قال أنني إذا أحضرت ( أنا ناس ) سأحقق ربحا كبيرا .
رتبت شأني و إنطلقت و سكنت في جوبا مع خالي التاجر محمد عثمان حاج الأمين و إستغليت سفره في رحلة تجارية إلي نيروبي إنطلقت إلي مدينة ( ياي ) الغنية بإنتاج الأناناس .
في المحطة حجزت مقعدين علي أمل أن أجد رفيقا من التجار و فعلا حضر أحدهم و قال لي أن البصات سفرها عسير و أن الأطفال يتبولون و يتغوطون و ليس لأمهاتهم وسائل لنطافتهم داخل البص و الأفضل أن نركب لوري .
تجاوزتنا البصات بقليل لندخل بعدها في خور و حال الخروج منه إذا بجنود يشهرون سلاحهم و يوقفون كل اللواري و يأمرنا أحدهم بالنزول و كنت أظنهم من حرس الصيد لهذا تأخرت في النزول لينتهرني أحدهم لأسرع فقلت له لماذا العجلة فرد بغلظة ( نحن SBLM ) أي الحركة الشعبية فقلت له في نفسي لقد حضرتم سريعا .
قادونا إلي داخل الغابة في الطريق همس صاحبي التاجر أن نجري هربا فمنعته و قلت له ( إنظر لطولهم سيلحقون بنا ) هتفوا في وجهنا ( بتقول شنو إنت معاك سلاح ؟ ( قلت له أن صديقي خائف )
أوقفونا صفا و أمرونا أن نعطيهم كل ما في جيوبنا حتي حبوب السكر التي كانت معي .
خطبنا قائدهم و قال ( إذاعة بتاع جوبا تكذب علينا ) و قال ( نحن في السودان إخوة من شمال أو جنوب )
نادوا علينا نحن الشماليين و أوقفونا صفا و طلبوا من البقية الذهاب .
رفع شاب جنوبي يده و قال له ( أنا عندي كلام إنت بقول نحن كلنا شعب واحد و لكن أنت عايز تأخذ الشماليين لتقتلوهم و الناس راح يقول أنتو حركة شعبية كدابين انت تقتل ناس كلو أو كلوا يمشي و الشماليين ديل إخواننا و ماشين معانا عشان يزوروا أهلنا )
في ياي أخذنا مع هذا البطل المنقذ صورا و لعلها ضاعت بعد نهب المتمردين مكتبتي .
تحرك قائدهم إلي داخل الغابة ثم عاد و قال( إنتو بمشي إذا كلمتوا جيش نحن نوصل لكم جوا ياي )
قبل أن نتحرك بدأ في تفتيش جيوبنا مرة ثانية و عثر علي بطاقتي و فيها المهنة صحفي و للأسف كان إسم ( راشد ) مكتوبا و بدل النقاط الثلاث وضعت علامة تشبه الثمانية فقال القائد أنت رائد قلت له بطاقة الضابط يكتب فيها النمرة العسكرية و الوحدة و دا مافي فقال لي أنت ( شغل بتاعك شنو ؟ قلت له تاجر صفيح لأن صحفي ستصنفني كما يفهم إذاعة جوبا )
أمرنا بالتحرك و في الطريق هطلت أمطار غزيرة و كان زجاج اللوري الأمامي مكسورا و بسبب الماء كنت أضع كفي في أنفي لأتمكن من التنفس .
وصلنا ياي مع الإفطار إذ كنا في رمضان و بعد أخذ أقوالنا في وحدة الجيش تحركنا و قال لي صديقي التاجر ( سنذهب لفندق إسمه الجمهورية و فيه صديق لي ) لم نجد صديقه و نزلنا في غرفتين رغم أنه لم يكن معنا مال .
في اليوم التالي حضر عدد من التجار و أكدوا الحجز و أحضروا لنا جلاليب و أعطونا مالا إشترينا منه ملابس و صابون و معجون .
كان التجار نعم الإخوة أكرمونا غاية الإكرام و تسابقوا في دعوتنا للإفطار و في واحد منها إعتذروا أن صاحب الدعوة ليس من ذوي المال و لكننا فوجئنا أن مائدته غنية بما لذ و طاب و شرحوا لنا الأمر بأن الفواكه و هي موز و أناناس و باباي و برتقال من المزرعة التي يعمل فيها و اللحوم و الدجاج يربيها خلف بيته و تأكل من النباتات و فيها خراف و دجاج و الرجل يشتري فقط الزيت و الملح و السكر أما البن و الشاي فيأخذها من دكاكين التجار ، قلت لهم ضاحكا ( ان مائدة مضيفنا الفقير لا تتوفر لأثرياء الخرطوم )
عشنا اوقاتا جميلة في ياي لجمال طقسها و خضرتها و وفرة الفواكه و اللحوم .
عزمنا الرجوع إلي جوبا و لكن الطريق لم ينظف بعد و كان الجيش يرسل جنديا علي موتر لينطلق في الطريق ليعرف مواقع الخوارج و كثيرا ما يقع بين أيديهم و يقتلونه .
في أيام إنتظار فتح الطريق قضينا العيد و أياما بعده و كان التجار يضحكون علينا يقودهم تاجر ظريف من الجعليين إسمه حسن الفيل و هم ينشدون لنا ضاحكين ( جوبا مالك علي جوبا شلتي عينيا )
كان التجار يعانون كثيرا و من يخرج منهم ليلا لا يلبس جلابية لأنه سيكون هدفا للقناصة و قال لي حسن الفيل أنه ينام و المسدس في يده و يصبح و قد أصابها خدر
قلت له لماذا كل هذه المعاناة لم لا تعودون للشمال فقال إنه ( مرض حب الجنوب و ناسه ) و فهمت ذلك تماما لأنني أعاني من من مرض الحب هذا .
عدنا بعد فتح الطريق في رحلة بسرعة فائقة خوفا من وجود خوارج في الطريق و ركبنا لواري مشحونة مما ثبتها في الأرض خاصة مع السرعة عدنا إلي جوبا و في نفسي الأغنية ( ياي بلدنا و كلنا إخوان )