أكد محمد جوار أن مسيرة الغناء السوداني قامت تاريخيا على مبدأ التراكم والتواصل بين الأجيال، إذ من الطبيعي أن يأخذ اللاحق من السابق، وأن يبدأ من حيث انتهى الرواد، ليضيف رؤيته وأدوات عصره، فيستمر التطور بصورة صحية ومتوازنة. فمنذ حقبة الحقيبة برزت أسماء شكلت الأساس المتين للأغنية السودانية، مثل كرومة وخليل فرح وإبراهيم الكاشف، ثم توالت الأجيال التي طوّرت النصوص والألحان وأدخلت الآلات الحديثة، وصولًا إلى تجارب أكثر حداثة مثل تجربة محمود عبد العزيز وغيرها. كان كل جيل يستلهم ما قبله، لكنه يحرص على أن يترك بصمته الخاصة، وأن يؤسس لمشروع فني يعبر عنه وعن زمانه.
ويشير محمد جوار إلى أن الفنان في تلك المراحل، ما إن يشتد عوده ويترسخ حضوره، كان يتوقف تلقائيا عن أداء أعمال غيره، ليتفرغ لتقديم إنتاجه الخاص في الحفلات والمناسبات، تأكيدا لهويته الفنية واستقلاليته. غير أن الواقع الراهن، في نظره، يشهد تحولات لافتة، حيث أصبح بعض الفنانين يلهثون خلف إرضاء جمهور المناسبات، لا سيما في صيوان العرس، على حساب التجديد والإنتاج المعاصر. ونتيجة لذلك تراجع حضور العمل الجديد القادر على التعبير عن روح المرحلة، ومالت كثير من الأعمال إلى استعادة أنماط سبعينيات القرن الماضي دون إضافة حقيقية، كما ضعفت شخصية بعض المغنين أمام تأثير رأس المال، وتحول الغناء في بعض صوره إلى سلعة متداولة لا تميز بين الموهبة الحقيقية والحضور العابر.
ويرى أن دخول عناصر غير مؤهلة إلى الوسط الفني أسهم في صناعة نجومية هشة تقوم على الضجيج أكثر من القيمة، في وقت باتت فيه بعض المنابر الإعلامية الموسمية قادرة على إعادة تشكيل صورة الفنان بعيدا عن مشروعه الإبداعي.
ودعا محمد جوار الفنانين إلى التمسك بمعيار الجودة والاختيار الواعي؛ فإذا طُلب من الفنان أن يؤدي عملاً لغيره، فليكن العمل ذا قيمة فنية وموضوعية تليق باسمه وتاريخه أكدً على أن الطموح في الفن يجب أن يكون بحجم القيمة، وأن الاختيار مسؤولية لا تقل أهمية عن الإبداع نفسه.