تقارير

جنوب السودان:  ازمة متفاقمة وسيناريوهات مفتوحة للمستقبل

أتيم سايمون

تمر دولة جنوب السودان بمرحلة مفصلية بالغة الحساسية منذ توقيع اتفاق السلام المنشط في سبتمبر 2018، إذ ما تزال عملية تنفيذ بنوده الجوهرية تواجه عراقيل سياسية وأمنية عميقة، وقد أدى هذا التعثر إلى تجدد المواجهات المسلحة في ولايات جونقلي، وأعالي النيل، والوحدة، إضافة إلى بعض أجزاء إقليم الاستوائية، ما زاد من هشاشة الاستقرار وأضعف سلطة الدولة.

   ويتزامن ذلك مع تدهور اقتصادي حاد، وارتفاع معدلات الفقر، وأوضاع إنسانية تعتبر من بين الأسوأ في المنطقة، وفي خضم هذا المشهد المعقد، تواصل الحكومة تمسكها بخيار تنظيم الانتخابات العامة في ديسمبر 2026، وسط تساؤلات متزايدة حول جاهزية البيئة السياسية والأمنية لإنجاح هذا الاستحقاق.

وفي امتداد لحالة الانسداد السياسي التي أعقبت تعثر تنفيذ اتفاق السلام المنشط، دخل الوضع الأمني مرحلة أكثر خطورة منذ أواخر عام 2025، عقب قرار الحكومة وضع زعيم المعارضة ونائب الرئيس رياك مشار قيد الإقامة الجبرية، ثم تقديمه للمحاكمة على خلفية أحداث مدينة الناصر عام 2024، وقد سرّعت هذه الخطوة من انهيار الثقة بين أطراف المرحلة الانتقالية، ودَفعت فصائل المعارضة المسلحة، في يناير 2026، إلى إعلان «الحرب المفتوحة» والتنصل من الاتفاق، لا سيما بعد استحواذ الحكومة على مقاعد المعارضة في تقاسم السلطة ومنحها لفصيل منشق، وقد تحوّل هذا التصعيد إلى مواجهات عسكرية واسعة في ولاية جونقلي ، تزامناً مع تحركات الجيش الأبيض وسيطرته على مواقع حكومية، ما ينذر بتوسّع دائرة الصراع.

    وفي ظل هذا التصعيد العسكري، انعكست المواجهات في ولاية جونقلي بصورة كارثية على الأوضاع الإنسانية، خصوصاً بعد استخدام الجيش الحكومي للطيران الحربي في قصف مناطق مأهولة بالمدنيين، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة، وبحسب تقديرات أممية، فقد شُرّد أكثر من 300 ألف شخص منذ بداية العمليات الأخيرة، بينهم عشرات الآلاف من الأطفال الذين قالت اليونيسيف إنهم باتوا عرضة للتجنيد القسري وسوء التغذية والأمراض، وأمام تدهور الوضع الأمني، اضطرت منظمات إنسانية، بينها أطباء بلا حدود، إلى الانسحاب من جونقلي بعد تعرض منشآتها للنهب وتهديد سلامة طواقمها، فيما علّق برنامج الغذاء العالمي بعض عملياته عقب تعرض قافلة له للنهب والاعتداء في أعالي النيل، وتزامن ذلك مع تفشي أمراض وبائية، أبرزها الكوليرا في منطقة دوك بجونقلي، حيث سُجّلت آلاف الإصابات، ما يعكس انهيار الخدمات الصحية في مناطق النزاع.

ومع اتساع رقعة العنف، أثارت تصريحات الفريق جونسون أولونج، نائب رئيس أركان الجيش المكلف بالتعبئة والتسليح، مخاوف جدية من انزلاق الصراع نحو أعمال عنف طائفية وجرائم حرب، بعد توجيه قواته في 24 يناير 2026 بالقول: “لا ترحموا أحداً… ولا حتى كبار السن”، وهو خطاب اعتبره مراقبون تحريضاً خطيراً يعزّز من الاستهداف العشوائي للمدنيين، وفي هذا الإطار، أصدرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بقيادة ياسمين سوكا بياناً حذّرت فيه من أن التصريحات التحريضية وتشديد العمليات العسكرية في المناطق المختلطة عرقياً تزيد من خطر وقوع جرائم واسعة ضد المدنيين، كما عبّرت المسؤولة الأممية عن العمليات الإنسانية في بيانها الأخير عن “قلق عميق من الاتجاه الحالي للأحداث”، مشددة على أن الخطاب العسكري المتشدد يشكّل تهديداً مباشراً لحماية السكان ويعرقل وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن.

   وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة، سعت الحكومة إلى خلق حالة توافق بين أطراف الحكومة الانتقالية التي تضم الحركة الشعبية، والفصائل المعارضة المسلحة، وتحالف الأحزاب السياسية، والأحزاب الأخرى والمنضوية تحت البرنامج الوطني، في ظل نيتها إجراء الانتخابات المقررة في ديسمبر 2026 دون تعداد سكاني شامل وبغياب دستور دائم، وفي هذا الخصوص، أعلن الرئيس سلفاكير في بداية فبراير 2026 عن تشكيل لجنة للحوار بين الأحزاب، وسط رفض وتحفظ من المعارضة بقيادة مشار وبعض تنظيمات المجتمع المدني، التي اعتبرت المبادرة محاولة لتجاوز الالتزامات الانتقالية.

وعلى الصعيد الدولي، أعرب المجتمع الدولي عن قلق بالغ إزاء تدهور الأوضاع، محذراً من أن إجراء الانتخابات دون توافق سياسي شامل قد يزيد الأزمة تعقيداً، وأكدت منظمة الإيغاد ضرورة الالتزام ببنود اتفاق السلام وإجراء الاستحقاق الانتخابي في بيئة آمنة، فيما حذّر الاتحاد الأفريقي من أن التصعيد العسكري في مناطق جونقلي وأعالي النيل يهدد العملية الانتقالية بأكملها، ومن جهتها، شددت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات، محذّرين من أن استمرار النزاع سيؤدي إلى أزمة إنسانية أوسع وتداعيات إقليمية خطيرة.

ولتجنب انهيار العملية الانتقالية وفقدان الشرعية، بادرت الحكومة إلى إعادة إحياء منبر المفاوضات بينها وبين الفصائل المعارضة في نيروبي تحت مظلة مبادرة توماييني للسلام، التي أُطلقت في 2019 لإشراك الفصائل الرافضة للاتفاق في حوار شامل، وتوقفت في 2021 نتيجة الانقسامات الداخلية وتصاعد الهجمات العسكرية، وتضم المبادرة حالياً عددا من الفصائل التي تحارب الحكومة، ابرزها الجبهة الوطنية بقيادة فول ملونق، والحركة الشعبية الأصل بقيادة باقان أموم، وحركة جبهة الخلاص برئاسة توماس سريلو، وفصيل آخر بقيادة نيال دينق نيال، وتهدف الحكومة من خلال هذه الجولات الجديدة، بوساطة الرئيس الكيني ويليام روتو، إلى إعادة دمج الفصائل في مسار تفاوضي أوسع، والسعي نحو اتفاق سلام جديد مع فترة انتقالية موسعة حال فشل الانتخابات، مع انطلاق الجولة الأولى بنهاية الشهر الجاري بدعوة رسمية وجهتها الوساطة برئاسة الجنرال لازاروس سيمبويا، مهندس اتفاق نيفاشا 2005.

وتعكس الأوضاع الراهنة في البلاد تعقيداً سياسياً وأمنياً غير مسبوق، إذ تواجه الحكومة تحديات تتعلق بتعدد مراكز صنع القرار داخل مؤسسات الدولة، وتراجع نفوذ الحزب الحاكم، وفقدان السيطرة على العملية السياسية، كما تعيش عزلة إقليمية ودولية متزايدة، ما يضعف قدرتها على ضبط مسار الأزمة. وفي ظل هذه التعقيدات، تظهر مخاوف من تحركات محتملة داخل الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى للتدخل والانقلاب على الحكومة، بينما يثير تعيين الرئيس لابنته أدوت كمبعوث للبرامج الخاصة تساؤلات حول نية توريث السلطة، ما قد يفتح الباب لصراعات داخلية إضافية بين النخب السياسية والعسكرية، ويضاعف تعقيد المشهد، ويزيد من احتمالات استمرار التوتر أو انزلاق البلاد نحو سيناريوهات عنف واسعة و تجميد تام للعملية السياسية بالبلاد.

عليه تبدو هناك  حاجة ماسة إلى حلول عاجلة ومتعددة المستويات لتفادي انزلاق جنوب السودان نحو صراع مفتوح وفوضى أوسع اذ يجب ان يكون هناك  وقف فوري لإطلاق النار وخلق بيئة أمنية مستقرة تسمح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين، مع حماية النازحين والمخيمات،

مع ضرورة ان يكون هناك حواراً سياسياً شاملًا بين الحكومة والفصائل المعارضة تحت إشراف دولي وإقليمي موثوق، لإعادة بناء الثقة وتجنب الانقسامات الداخلية التي تعرقل العملية الانتقالية، كما ينبغي تعزيز دور مؤسسات الدولة ووضع آليات حقيقية للمحاسبة عن الانتهاكات، بما يشمل الجيش والأجهزة الأمنية، لضمان عدم استغلال القوة في تحقيق مكاسب سياسية، على ان يمارس المجتمع الدولي والإقليمي الضغط لضمان إجراء الانتخابات بطريقة توافقية أو تأجيلها بشكل منظم، بما يحفظ شرعية الدولة ويقلل من مخاطر الانزلاق نحو سيناريوهات عنف أوسع، مع ربط أي استحقاق انتخابي بالسلام والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى