في مؤتمر القمة الأفريقي الأخير في أديس أبابا، استوقفتني كلمة رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا، واستغربت لها حين قال:«لا يمكننا أن نعتبر أنفسنا أحراراً ما دام شعوب فلسطين وكوبا والسودان ومواضع أخرى تعاني من الاحتلال والقمع والحروب».لقد صدق الرجل، جنوب أفريقيا لم تعد حرة، بل عادت إلى عهد الرق مجدداً.. أي والله.. كيف بالله؟
لكم أحببنا جنوب أفريقيا من كتابات وأشعار السودانيين، ونضالات مانديلا ورفاقه كريس هاني وأوليفر تامبو وامبيكى وغيرهم. ولا زلت أذكر، في أول زيارة لي لجنوب أفريقيا،أصررت على زيارة جزيرة روبن التي سُجن فيها مانديلا زهاء 27 عاماً، ودخلت تلك الغرفة التي أشعلت خيال كثير من الأدباء في العالم، وكذلك يفعل كل السودانيين الذين أحبوا جنوب أفريقيا ورموز نضالها.لقد كانت جنوب أفريقيا في زمن مانديلا تُلهم القارة بمعنى الحرية، لكنها اليوم – للأسف – تُستخدم كمنصة لإعادة تدوير خطاب المليشيات، وتلميع أدوات الخراب.
2
تاريخ طويل وعلاقة قديمة تربط السودان بجنوب أفريقيا، جذورها ممتدة إلى مرحلة التحرر الوطني في القارة، حين كان السودان – منذ استقلاله عام 1956 – جزءاً من الموجة الأفريقية التي وقفت ضد الاستعمار ونظام الفصل العنصري. فقد ساهم السودان، سياسياً ودبلوماسياً، في دعم نضال شعب جنوب أفريقيا ضد حكم الأقلية البيضاء، عبر مواقفه داخل منظمة الوحدة الأفريقية والأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز، حيث كان من الدول التي أيدت قرارات إدانة نظام الأبارتهايد والمطالبة بعزله دولياً وفرض العقوبات عليه.
وفي الستينيات والسبعينيات، تزامن هذا الدعم مع الدور الذي لعبته الخرطوم كإحدى ساحات النشاط السياسي الأفريقي، حيث احتضنت أجواء التضامن مع حركات التحرر وقادتها، بل مانديلا شخصياً الذي كتب في كتابه “رحلتي الطويلة من أجل الحرية” عن تجربته في السودان ودعم الخرطوم، مما يعكس موقفاً سياسياً أقوى من مجرد تضامن رمزي؛ إذ كان هناك دعم سياسي واضح في مراحل مبكرة من النضال ضد الفصل العنصري. وأسهمت هذه المواقف في ترسيخ الموقف الأفريقي الموحد الرافض لشرعنة الاحتلال والتمييز العنصري.
3
غير أن المفارقة اللافتة اليوم أن جنوب أفريقيا، التي كانت رمزاً للتحرر ومناهضة الأنظمة العنصرية، أصبحت تتخذ موقفا منحازا لصالح التمرد في السودان.جاء في ذاكرة الانباء انه في مطلع يناير 2024، “(قام حميدتي، بزيارة إلى جنوب أفريقيا وخلال الزيارة التي جرت في بريتوريا، استقبله الرئيس الجنوب أفريقي سيريل رامافوزا،) تصوورا ان ذات الرئيس الذي يستقبل متمرداً متهماً بجرائم إبادة لأفارقة وجرائم حرب في بلاده، مثله مثل بي. دبليو. بوتا (P.W. Botha) وجون فولستر وغيرهم من العنصريين الذين ارتكبوا جرائم حرب وإبادة عنصرية في جنوب أفريقيا، ذات الرئيس يحدثنا قبل يومين من مقر الاتحاد الافريقى في أديس ابابا عن الحرب والحرية والقمع.!!
جنوب أفريقيا باستقبالها قائد مليشيا ارتكبت جرائم ابادة وحرب تمنحه اعترافاً سياسياً لايستحقه وفرشها البساط الاحمر، ومنح الجنجويد ورهطهم ( صمود وتاسيس ) مساحة للحركة والظهور السياسي داخل أراضيها، يضع بريتوريا في موضع تناقض مع خطابها التقليدي عن دعم الدولة الوطنية وسيادة الدول. وبدلاً من أن تكون جنوب أفريقيا سنداً لمبدأ الشرعية الدستورية والاستقرار في القارة الافريقية ، تبدو – من حيث النتائج – وكأنها تساهم في إعادة إنتاج نموذج المليشيات التى يقوّض الدول ويطيل أمد الحروب. وهنا يتحول السؤال من مجرد موقف سياسي إلى سؤال أخلاقي: كيف لدولة قامت على مقاومة القهر والعنصرية أن تمنح شرعية سياسية لتمرد دمّر دولة وشعوب أفريقية أخرى؟
4
ولا يمكن قراءة هذا التحول في موقف جنوب أفريقيا بمعزل عن شبكة المصالح الاقتصادية المتنامية في القارة، حيث أصبحت الاستثمارات الخارجية عاملاً ضاغطاً يعيد توجيه السياسة حتى داخل الدول التي تمتلك تاريخاً ثورياً في الدفاع عن السيادة. فجنوب أفريقيا، التي تشهد توسعاً ملحوظاً في الاستثمارات الخليجية، وفي مقدمتها الاستثمارات الإماراتية، فبحسب بيانات سفارة الإمارات في بريتوريا (2024)، بلغت قيمة استثمارات دولة الإمارات في جنوب أفريقيا أكثر من 1.3 مليار دولار أمريكي في عام 2024، تجد نفسها أمام معادلة معقدة بين خطابها الأخلاقي التقليدي وبين حسابات الاقتصاد والشراكات التجارية.
5
والأخطر من ذلك أن القارة التي قاومت الاستعمار لعقود قد تجد نفسها اليوم أمام شكل جديد من السيطرة لا يقوم فقط على الاحتلال المباشر، بل على إعادة إنتاج الرق في صورة حديثة، عبر شبكات الذهب والتهريب والمرتزقة،. وهكذا تتراجع لغة المبادئ لصالح لغة المصالح، وتتحول الدولة التي كانت رمزاً للتحرر إلى ساحة جديدة من ساحات إعادة هندسة المواقف لصالح المليشيات في القارة.
الرق الجديد لا يأتي فقط بالسلاسل الحديدية، بل يأتي عبر المال السياسي، وشراء النخب، وتوجيه الإعلام، وصناعة المليشيات، وتوظيفها كأدوات لإعادة تشكيل الدول من الداخل. وهو رق أخطر من الاستعمار القديم، لأنه لا يرفع راية احتلال، بل يرفع راية الاستثمار، بينما يسرق القرار الوطني ويكسر ظهر الدولة.
6
إذا خانت الذاكرة قادة جنوب أفريقيا، وتناسوا التاريخ والمواقف المشرفة للشعب السوداني مع بلادهم، وفتحوا حدودهم وعواصمهم لتصبح مرتعاً للمؤامرات ضد السودان سياسياً وعسكرياً، بأن أصبحت منتديات وعواصم جنوب أفريقيا لا تستقبل إلا معارضي عملاء الإمارات (الجنجويد وتأسيس وصمود) وغيرهم، وتنكّروا لكل يد مُدت لهم، فإن ذاكرة الشعوب حية لا تموت.
سيتذكر الشعب الجنوب أفريقي يوماً ما موقف الشعب السوداني الذي دعم نضاله، بل وتغنى به، وسوف لن يبيع تاريخه كله بحفنة دولارات. جنوب أفريقيا كدولة عظمى في القارة ليست بحاجة لمليارات الإمارات، ولكنها النخبة الجنوب أفريقية الجديدة الفاسدة التي ورثت كل شيء في بلاد مانديلا، إلا روح الحرية والانعتاق من الرق الإماراتي. اذا انتو نسيتو نحنا مانسينا ، وإذا كان مانديلا قد خرج من زنزانته ليحرر بلاده من العنصرية، فإن جنوب أفريقيا اليوم تخاطر بأن تدخل زنزانة جديدة، اسمها المال الاماراتى، وقيودها ليست من حديد… بل من ذهب.