جامعة إفریقیا العالمیة ترسم ملامح الإعمار بعد الحرب

بروفيسور موسى طه تاي الله الحداد
اختتمت جامعة إفریقیا العالمیة مؤتمرھا حول الإعمار عقب الحرب، وكان الختام بحق «مسكًا»، عاكسًا حجم الجھد المبذول، وعمق الرؤیة المطروحة، والدور المتقدم الذي تضطلع به الجامعة وفي لحظة وطنیة فارقة، تتطلب من مؤسسات العلم والفكر أن تتقدم الصفوف، لا أن تكتفي بالمراقبة أو الحدیث. جاء المؤتمر في توقیت بالغ الحساسیة، حیث یمر السودان بمرحلة إعادة تشكّل، لیس فقط على مستوى البنیة التحتیة، بل على مستوى الوعي، والھویة، ومفھوم الدولة نفسھا. ومن ھنا، اكتسب المؤتمر أھمیته، إذ لم یتناول الإعمار بوصفه عملیة ھندسیة أو إقتصادیة فحسب، بل قدّمه كمشروع وطني شامل، تتداخل فیھ الأبعاد الأكادیمیة والاجتماعیة والثقافیة والقیمیة. وقد نجحت الجامعة ، عبر ھذا المؤتمر، في تأكید حقیقة ظلّت راسخة في تاریخھا، وھي أن الجامعة لیست مؤسسة تعلیمیة تقلیدیة، وإنما فضاءٌ لصناعة الأفكار، وبناء الإنسان، وربط المعرفة بقضایا المجتمع والدولة. فالجامعة، بما تملكه من خبرات أكادیمیة متراكمة، وشراكات إقلیمیة ودولیة، قادرة على أن تكون عقل الإعمار وضمیره، لا مجرد شاھد علیه.
تمیّزت أوراق المؤتمر ونقاشاته بالتركیز على دور الجامعات في مرحلة ما بعد الحرب، باعتبارھا حاضنة لإعادة إنتاج الكفاءات الوطنیة، ومنصة لترسیخ قیم التعایش، والوحدة الوطنیة، والسلام المجتمعي. كما أكدت المداخلات أن الإعمار الحقیقي یبدأ بإعمار الإنسان، وإصلاح ما أفسدته الحرب في النفوس قبل البنیان، وھو ما ینسجم مع رسالة جامعة إفریقیا القائمة على الجمع بین العلم والقیم.
ولا یفوتنا في ھذا المقام أن نرفع رایات الشكر والتقدیر لإدارة الجامعة، التي وفّرت الرؤیة والدعم، وأحسنت إدارة ھذا الحدث العلمي المھم، كما یمتد الشكر إلى اللجان المختلفة التي كان جھدھا رافعة النجاح وأخص بالشكر اللجنة الإعلامیة، التي عملت بجد واجتھاد، وبروح الفریق الواحد، فكان أداؤھا مثالاً للانضباط والاحترافیة، وأسھمت بصورة مباشرة في إخراج المؤتمر بالصورة المشرفة التي تلیق باسم الجامعة ورسالتھا.
ولم تكن توصیات الختام مجرد عبارات بروتوكولیة، بل جاءت محمّلة بالدلالات، حیث عكست توافقًا واسعًا على أن مرحلة ما بعد الحرب تتطلب شراكات حقیقیة بین الدولة، والجامعات، والمجتمع، وأن العزلة المؤسسیة لم تعد خیارًا ممكنًا في مواجھة
تحدیات بھذا الحجم، وكان واضحًا أن الجامعة تسعى لأن تكون جزءًا من الحل، لا أن تكتفي بتشخیص الأزمة.
إن ”مسك الختام“ في ھذا المؤتمر لم یكن في الكلمات الختامیة وحدھا، بل في الرسالة التي خرج بھا: أن السودان قادر على النھوض، متى ما أُحسن توظیف العلم، واحترم دور المؤسسات الأكادیمیة، ومنحھا المساحة لتقود التفكیر الاستراتیجي في قضایا الإعمار والتنمیة والاستقرار.
ختام المؤتمر أعاد التأكید على أن جامعة إفریقیا العالمیة، بما تمثله من عمق علمي ورسالة إنسانیة؛ مؤھلة لتكون أحد أعمدة مشروع الإعمار الوطني، وأن الرھان على الجامعات ھو رھان على المستقبل، وھو رھان على دولة تُبنى بالعقل قبل الأسمنت، وبالوعي قبل الآلة.
وھكذا، كان الختام مسكًا… لیس لأنه نھایة مؤتمر، بل لأنه بدایةمسارٍ وطنيٍّ جدید، تُسھم فیه جامعة إفریقیا العالمیة بوعي، ومسؤولیة، ورؤیة تتجاوز اللحظة إلى أفق الوطن الفسیح…دامت الجامعة تحمل رایة الاستنارة والعلم والعمل وبارك الله فیكم یا من أحسنتم الفكرة والتنفیذ.
كان الختام مسكاً.



