تونس… الثقة الرقمية

آفاق رقمية
رحلات في ذاكرة التقنية
د. محمد عبدالرحيم يسن
digital.start23@gmail.com
(٦)

قبل نحو عقد من الزمان قادتني رحلة إلى العاصمة التونسية بدعوة كريمة من المركز الوطني للمصادقة الإلكترونية، تزامنت مع انعقاد مؤتمر *”تكنوجيا المعلومات والاتصالات للحميع ICT4ALL”*، أحد المؤتمرات التي جمعت خبراء التقنية وصناع القرار والمؤسسات الدولية لمناقشة قضايا التحول الرقمي واستخدام التقنية في تحقيق التنمية المستدامة.
في تلك الفترة كانت المصادقة الإلكترونية في السودان إحدى الإدارات التابعة للمركز القومي للمعلومات، وكانت الجهود تتجه نحو بناء منظومة وطنية متكاملة للمصادقة والتوقيع الإلكتروني، وقد تمكن فريق المركز إكمال الترتيبات الفنية والإدارية بما فيها القوانين، وإكمال المشروع تم توقيع اتفاقية مع مركز النيل للأبحاث لإستجلاب المعدات واختبار الشهادات والجزر، وبعد الفراغ من ذلك ، برزت الحاجة إلى شريك خارجي يمكن من خلاله اختبار عمليات التوثيق والتصديق الإلكتروني بصورة عملية ضمن بيئة تشغيل حقيقية، حتى يتم الاعتراف الدولي بالمنظومة الوطنية.
لهذا جاءت تونس باعتبارها واحدة من الدول العربية التي قطعت شوطا متقدما في هذا المجال، ضم الوفد مهندسين ومتخصصين من مركز النيل للأبحاث والمركز القومي للمعلومات، وعقدت لقاءات فنية متعددة مع المختصين بالمركز الوطني للمصادقة الإلكترونية، حيث جرى استعراض الجوانب الفنية والتشغيلية والتنظيمية المرتبطة بمنظومة التوقيع الإلكتروني والبنية التحتية للمفاتيح العامة.
ما منح التجربة قيمة إضافية أن المصادقة الإلكترونية في تونس في هذه الفترة كانت جزءا من بيئة العمل اليومية داخل عدد من المؤسسات الحكومية والخاصة، فالتوقيع الإلكتروني وجد طريقه إلى التطبيقات والخدمات المختلفة، الأمر الذي وفر قدرا كبيرا من الثقة في النموذج الذي كنا نعمل على بنائه في السودان.
وخارج قاعات الاجتماعات الفنية، أتاح مؤتمر ICT4ALL فرصة للاطلاع على تجارب دولية متنوعة في مجالات الحكومة الإلكترونية والخدمات الذكية والاقتصاد الرقمي. وفود جاءت من مختلف أنحاء العالم لعرض نماذج وتجارب عملية ركز معظمها على توظيف التقنية في تحقيق التنمية المستدامة وتحسين الخدمات العامة وتعزيز فرص الوصول إلى المعرفة.
تونس نفسها تركت انطباعا خاصا، فهي مدينة جميلة تنبض بالحياة، وتحيط بها المساحات الخضراء بصورة جعلت وصف *”تونس الخضراء”* أقرب إلى الواقع منه إلى الوصف الأدبي، امتزج فيها عبق التاريخ بالحضور الثقافي والحراك العلمي، وظهرت فيها ملامح اهتمام بالزراعة والتعليم والتقنية وبناء القدرات البشرية.
ومع انتهاء الزيارة ترسخت قناعة مهمة، ان المصادقة الإلكترونية ركيزة أساسية لبناء الثقة الرقمية. فكل خدمة إلكترونية، وكل معاملة رقمية، وكل وثيقة يتم تبادلها عبر الشبكات تحتاج إلى وسيلة موثوقة لإثبات الهوية والتحقق من صحة المعلومات.
هذه القناعة أسهمت في تعزيز التوجه نحو إنشاء كيان مستقل للمصادقة الإلكترونية في السودان، وهو ما تحقق لاحقا عبر تأسيس جهاز متخصص تولى مسؤولية هذا الملف الحيوي، واليوم أصبحت المصادقة جزءا من منظومة الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، في خطوة تعكس أهمية ربط الثقة الرقمية بالأمن الرقمي وحماية البنية التحتية الوطنية.
ومن التطورات التي تستحق التقدير في المرحلة الحالية اطلاق الهوية الرقمية في السودان، وهو أحد المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في دعم الخدمات الحكومية والمالية والإلكترونية خلال السنوات القادمة. فالهوية الرقمية تمثل حجر الأساس الذي تبنى عليه منظومات الثقة الرقمية الحديثة.
كما يبقى الأمل قائما في توسيع نطاق الربط والتوثيق الرقمي مع المزيد من الدول والمؤسسات العالمية، وتعزيز الاعتراف المتبادل بالشهادات الرقمية والتوقيع الإلكتروني وخدمات المصادقة الإلكترونية. فالعالم يتجه بصورة متسارعة نحو بناء منظومات ثقة رقمية عابرة للحدود، تتيح للأفراد والمؤسسات تبادل الوثائق والمعاملات والخدمات بصورة آمنة وموثوقة. وكلما اتسعت دائرة الاعتراف المتبادل بهذه الخدمات ازدادت فرص التكامل الرقمي، وتيسرت حركة الأعمال والاستثمارات والخدمات بين الدول.
فالتقنية تستطيع أن تنقل الخدمات إلى الشاشات، أما الثقة فهي التي تمنح هذه الخدمات قيمتها واستمراريتها.
في الحلقة القادمة ننتقل إلى مدينة أخرى من مدن العالم، حملت تجربة مختلفة، وأضافت درسا جديدا من دروس التحول الرقمي.
١٣ يونيو ٢٠٢٦م

Exit mobile version