تقارير: الدعم السريع استهدف تدمير المجتمعات الزراعية حول الفاشر
Mazin
كشف تقرير جديد صادر عن كلية الطب بجامعة ييل ومختبرها البحثي، بالاشتراك مع فريق من وكالة ناسا الفضائية مختص في الزراعة، أن الفظائع والجرائم التي ارتُكبت في الفاشر، شمال دارفور، في أكتوبر 2025، لم تكن سوى غيض من فيض. فقد كان التخطيط أكثر خبثًا ودناءة. وكل جانب من جوانبه كان مُدبَّرًا ومُخطَّطًا له مسبقًا: الحصار، والتجويع، والقتل، والمجازر. وقد شاهد الناس عمليات القتل والمجازر، لكن قليلين هم من يدركون كيف تم التخطيط للتجويع وتنفيذه: تدمير المزارع والأراضي الزراعية، وتهجير المزارعين، وتحويل الأراضي الزراعية إلى مناطق قاحلة. وهكذا حُرمت الفاشر من جميع مصادر الرزق، قبل شنّ هجوم وحشي.
والتقرير الذي نستعرضه تالياً أعده كل من ناثانيال ريموند، أوليفيا موني، ريبيكا شوس، دانيال أندرسن، ودانييل بول، ونشر في أمس (الثلاثاء) العاشر من مارس 2026 .
وكشف تقرير “مختبر البحوث الإنسانية بجامعة ييل ومنظمة ناسا هارفست”، أن قوات الدعم السريع قامت عمداً بتدمير المجتمعات الزراعية المحيطة بمدينة الفاشر السودانية عام 2024، في مسعى لتجويع السكان المحليين، وذلك خلال حصارها للمدينة الذي استمر 18 شهراً. وأشار التقرير إلى أن هذه الهجمات المستهدفة أدت فعلياً إلى إفراغ 41 قرية زراعية حيوية من سكانها، مما تسبب في تعطيل موسم الزراعة بشكل كبير، وتدمير الإمدادات الغذائية المحلية. وتؤكد هذه النتائج تقريرًا للأمم المتحدة صدر في فبراير، خلص إلى أن قوات الدعم السريع ارتكبت إبادة جماعية في الفاشر، “بما في ذلك تجويع سكان المدينة عمدًا.”
وقالت ريبيكا شوس، المؤلفة الرئيسية للدراسة ومحللة البيانات الجغرافية المكانية في مختبر حقوق الإنسان: “استهدفت قوات الدعم السريع االقري الزراعية وألحقت بها أضرارًا متعمدة، كما قتلت وشردت المزارعين لمنعهم من زراعة المحاصيل”. وأضافت: “أدت هذه الحملة من الهجمات الممنهجة إلى جعل الموسم الزراعي الشحيح أصلًا في المنطقة أكثر شحًا وطولًا وكارثية”.
ويعتقد باحثو مختبر حقوق الإنسان أن 28 مجتمعًا على الأقل من أصل 41 مجتمعًا شمال وشمال غرب الفاشر قد أُخليت من سكانها إثر “هجمات حرق متعمد يُرجح أن قوات الدعم السريع نفذتها بين 31 مارس و 12 يونيو 2024”.
ووفقًا للبحث، استهدفت قوات الدعم السريع بشكل رئيسي المجتمعات الزراعية الزغاوية. وقد شُرّد سكان هذه المجتمعات قسرًا أو قُتلوا على يد قوات الدعم السريع، مما أدى إلى انخفاض كبير في الإنتاج في المناطق الزراعية التي تُعدّ عادةً مصدرًا رئيسيًا لإطعام الفاشر. أدى استهداف هذه المجتمعات إلى تدمير إنتاج أهم موارد الغذاء المحلية في المدينة، وذلك بتهجير المزارعين وتدمير البنية التحتية الزراعية الضرورية. ووفقاً للتقرير الجديد فقد حلل خبراء من مختبر أبحاث الموارد البشرية بجامعة ييل (Yale HRL) ومشروع ناسا هارفست (NASA Harvest) مزيجًا من المعلومات المتاحة للعموم، وبيانات الاستشعار عن بُعد البيئية، وصور الأقمار الصناعية عالية الدقة، للوصول إلى نتائجهم. كما وجد مختبر أبحاث الموارد البشرية بجامعة ييل “أن 10 من أصل 41 مجتمعًا قد سُوّيت بالأرض أكثر من مرة، بما في ذلك مجتمع واحد سُوّي بالأرض سبع مرات على الأقل، مما يُعزز استنتاج التقرير بشأن الطبيعة المتعمدة لهجمات الدعم السريع”.
ويُعدّ البحث الذي أجراه مختبر أبحاث الموارد البشرية – التابع لكلية الصحة العامة بجامعة ييل – ومشروع ناسا هارفست فريدًا من نوعه. فقد تم تكليف ناسا بمشروع هارفست عام 2017، وهو عبارة عن اتحاد متعدد التخصصات يضم خبراء في الزراعة والاستشعار عن بُعد، ويعمل مع المزارعين والشركات الزراعية والاقتصاديين والمنظمات الإنسانية والحكومات وغيرها لتقديم تقييمات زراعية بالغة الأهمية.
“يُعدّ هذا التقرير الأول من نوعه الذي يستخدم بيانات الاستشعار عن بُعد لتأكيد مزاعم حملة تجويع مُتعمّدة”، صرّحت بذلك الدكتورة دانييل بول، الحاصلة على الدكتوراة، مديرة هيئة التدريس في مختبر أبحاث الموارد البشرية بجامعة ييل، وإحدى مؤلفي التقرير. وأضافت: “تُمثّل المنهجية الفريدة للدراسة، التي طُوّرت بدعم من برنامج ناسا هارفست، خطوةً هامةً نحو الأمام في استخدام الاستشعار عن بُعد لفهم كيفية تأثّر الأمن الغذائي في المجتمعات التي تُعاني من النزاعات المُسلّحة”.
وقام مختبر أبحاث الموارد البشرية بجامعة ييل بمراقبة المجتمعات المحيطة بمدينة الفاشر عن بُعد لعدة أشهر عقب هجمات قوات الدعم السريع. ولاحظ الباحثون غياب أنشطة الزراعة، بالإضافة إلى نموّ كثيف للنباتات يُغطّي منازل المدنيين والمباني وحظائر الماشية، ما دفعهم إلى استنتاج أن معظم هذه المجتمعات كانت مهجورة.
وأشار الباحثون إلى أن الصور تُؤكّد على ما يبدو نيّة قوات الدعم السريع في تهجير سكان هذه المجتمعات والتأثير بشكلٍ كبير على قدرتهم على زراعة وإنتاج وحصاد الغذاء.
ويُشير التقرير أيضًا إلى أنه بالإضافة إلى تدمير الأراضي الزراعية المحلية، منعت قوات الدعم السريع المنظمات الإنسانية من إيصال المساعدات إلى المدينة. و يقول التقرير إن مليشيا الدعم السريع شنّت حصارها على الفاشر بهجمات على المجتمعات الزراعية غرب المدينة في أبريل 2024، قبل أن تُحاصر المدينة وتُسوّي الأحياء بالأرض، وتقصف البنية التحتية الحيوية، وتمنع وصول السلع، بما فيها الغذاء والمساعدات الإنسانية، إلى المدينة. وفي أبريل2025، هاجمت قوات الدعم السريع معسكر زمزم للنازحين وسوّتّه بالأرض، ما أدى إلى نزوح ما يُقدّر بنصف مليون نازح. أكملت قوات الدعم بناء جدار ترابي يحيط بالمدينة في بداية أكتوبر 2025، وسيطرت عليها في 26 أكتوبر 2025.
بعد سقوط المدينة، وثّقت منظمة ييل لحقوق الإنسان أدلة على عمليات قتل جماعي داخلها، بما في ذلك تحديد أكثر من 150 مجموعة من الأشياء التي تتطابق مع جثث بشرية.
وخلال حصار الدعم السريع للمدينة الذي استمر 18 شهراً واستيلائها عليها، أصدر مكتب حقوق الإنسان بجامعة ييل أكثر من 65 تقريراً توثق عمليات القتل الجماعي وغيرها من الفظائع التي ارتكبت ضد الفور والزغاوة وغيرهم من السكان الأصليين غير العرب.