تقارير
تقارب إسرائيلي–إثيوبي جديد: رسائل سياسية في توقيت إقليمي حساس

في مؤشر جديد على إعادة تشكيل التحالفات في منطقة القرن الإفريقي، أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر عقب لقائه وزير الدولة الإثيوبي للشؤون الخارجية هاديرا أبيرا أن تل أبيب تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها “شريكاً استراتيجياً طويل الأمد”، مؤكداً التوجه نحو تعميق العلاقات الثنائية وتعزيز ما وصفه بـ”الصداقة التاريخية” بين البلدين.
اللقاء، الذي بدا في ظاهره بروتوكولياً، يحمل في طياته دلالات سياسية وأمنية أوسع بكثير من مجرد تعاون دبلوماسي، ويأتي في توقيت إقليمي شديد الحساسية تتقاطع فيه ملفات الأمن، والمياه، والنفوذ الإقليمي، والتنافس الدولي في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
أولاً: لماذا إثيوبيا؟ الحسابات الإسرائيلية القديمة – الجديدة
إثيوبيا ليست دولة عادية في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية. فمنذ عقود، تنظر تل أبيب إلى دول القرن الإفريقي باعتبارها جزءاً من ما يُعرف بـ”حزام الطوق غير العربي” الذي سعت إسرائيل إلى بنائه لموازنة النفوذ العربي في محيطها الإقليمي.
وتتمتع إثيوبيا بثلاث ميزات تجعلها شريكاً مغرياً لإسرائيل:
1.الموقع الجيوسياسي: إثيوبيا تقع على مفترق طرق بين شرق إفريقيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، ما يجعلها بوابة استراتيجية للتأثير في خطوط الملاحة العالمية.
2.الثقل السكاني والعسكري: دولة يتجاوز عدد سكانها 120 مليون نسمة، وتملك واحداً من أكبر الجيوش في إفريقيا.
3.ملف سد النهضة: وهو ملف شديد الحساسية لمصر والسودان، ويُنظر إليه إقليمياً باعتباره ورقة ضغط جيوسياسية كبرى.
في هذا السياق، فإن تعزيز العلاقة مع أديس أبابا يمنح إسرائيل نفوذاً غير مباشر في قضايا المياه، والأمن الإقليمي، والتوازنات في البحر الأحمر.
ثانياً: الرسالة إلى إيران… والرسالة إلى المنطقة
اللافت في تصريحات ساعر ليس فقط الحديث عن الشراكة مع إثيوبيا، بل إدخاله الملف الإيراني بشكل مباشر في تصريح مرتبط بلقاء ثنائي إفريقي–إسرائيلي.
قوله إن “النظام الإيراني يذبح شعبه” ليس مجرد موقف أخلاقي معلن، بل هو جزء من استراتيجية إسرائيلية لتوسيع معركتها السياسية مع إيران إلى خارج الشرق الأوسط، وإلى إفريقيا تحديداً.
إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى:
•منع إيران من بناء نفوذ داخل إفريقيا
•قطع أي قنوات تعاون محتملة بين طهران ودول القرن الإفريقي
•تقديم نفسها كشريك أمني بديل في مكافحة الإرهاب والتطرف
وبالتالي، فإن هذا اللقاء يحمل رسالة غير مباشرة مفادها أن إثيوبيا أقرب إلى المحور الإسرائيلي–الغربي منها إلى أي تقارب محتمل مع إيران.
ثالثاً: القرن الإفريقي كساحة تنافس دولي مفتوحة
التحرك الإسرائيلي تجاه إثيوبيا لا يمكن فصله عن الصراع الدولي المتصاعد على النفوذ في القرن الإفريقي، حيث تتنافس عدة قوى في آن واحد:
•تركيا (قواعد عسكرية في الصومال، نفوذ اقتصادي)
•الإمارات (موانئ، قواعد، نفوذ سياسي)
•الصين (استثمارات ضخمة، ديون، بنى تحتية)
•الولايات المتحدة (عودة الاهتمام العسكري والأمني)
•روسيا (محاولات اختراق سياسي وأمني)
•إسرائيل (تعاون استخباراتي وتقني وأمني متصاعد)
في هذا المشهد، تحاول إسرائيل أن تثبّت موقعها كلاعب مؤثر في المنطقة، لا سيما مع تصاعد أهمية البحر الأحمر كممر استراتيجي عالمي.
رابعاً: ماذا يعني هذا للسودان ومصر؟
من منظور الخرطوم والقاهرة، فإن أي تقارب إسرائيلي–إثيوبي لا يُقرأ فقط كحدث دبلوماسي عابر، بل يُربط مباشرة بملفات حساسة:
•سد النهضة: يخشى مراقبون أن يكون الدعم التقني أو الاستخباراتي الإسرائيلي جزءاً من تعزيز الموقف الإثيوبي في هذا الملف.
•أمن البحر الأحمر: وجود إسرائيل غير المباشر عبر حلفاء إقليميين يثير قلق بعض الدول العربية المطلة على البحر.
•إعادة تشكيل التحالفات الإفريقية: خاصة في ظل تراجع الدور العربي التقليدي في إفريقيا مقابل صعود قوى جديدة.
وبالنسبة للسودان تحديداً، فإن تعاظم النفوذ الإسرائيلي في إثيوبيا يأتي في وقت يعيش فيه السودان نفسه حالة من التفكك الداخلي، ما يجعله أكثر هشاشة أمام تحولات إقليمية كبرى تُرسم من حوله.
خامساً: ما وراء عبارة “الصداقة التاريخية”
حديث ساعر عن “الصداقة التاريخية” ليس جديداً، لكنه يُعاد إحياؤه اليوم في سياق سياسي جديد. فإسرائيل كثيراً ما توظف هذا الخطاب لتبرير:
•التعاون الأمني
•تبادل المعلومات الاستخباراتية
•صفقات التكنولوجيا والمراقبة
•النفوذ السياسي داخل الاتحاد الإفريقي
وبالفعل، كانت لإسرائيل أدوار سابقة داخل مؤسسات إفريقية، بما في ذلك حصولها لفترة على صفة مراقب داخل الاتحاد الإفريقي قبل أن تتعرض هذه الخطوة لانتقادات من دول عربية وإفريقية.
خلاصة المشهد
اللقاء بين جدعون ساعر وهاديرا أبيرا ليس مجرد خبر دبلوماسي عابر، بل هو حلقة ضمن عملية أوسع لإعادة رسم النفوذ في القرن الإفريقي.
إنه يعكس:
•تمدداً إسرائيلياً محسوباً في إفريقيا
•إعادة تموضع إثيوبية وسط تعدد الشركاء الدوليين
•وتراجعاً نسبياً في قدرة الدول العربية على التأثير في محيطها الإفريقي التقليدي
وفي منطقة تتغير خرائطها السياسية بوتيرة متسارعة، يبدو أن القرن الإفريقي بات بالفعل أحد أهم ميادين الصراع الجيوسياسي في العالم خلال العقد القادم.



