يطيب لي في مستهل هذا البيان أن أتقدم إليكم بخالص التهنئة بمناسبة توليكم رئاسة مجلس الأمن خلال هذا الشهر، متمنيًا لكم التوفيق في قيادة أعمال المجلس، ومؤكدًا استعداد وفد بلادي الكامل للتعاون البنّاء معكم في جميع القضايا ذات الاهتمام المشترك. كما أود أن أهنئ الأعضاء الجدد على نيلهم ثقة المجتمع الدولي وانتخابهم لعضوية هذا المجلس، وأن أعرب في الوقت ذاته عن تقديري العميق للأعضاء الذين انتهت ولايتهم لما بذلوه من جهود خلال فترة عضويتهم.
وأود أن أتقدم بالشكر إلى السيدة نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على الإحاطة التي قدمتها اليوم إلى مجلس الأمن عملاً بالقرار 1593. ويؤسفنا أنها لم تتمكن من تقديم هذه الإحاطة حضورياً أمام المجلس.
أصحاب السعادة، السيدات والسادة،
يود وفد السودان أن يؤكد بأوضح العبارات التزامه العميق والثابت بمبادئ العدالة والمساءلة، لا سيما فيما يتصل بأخطر الجرائم التي تهز الضمير الإنساني، من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
لقد كان تحقيق العدالة ولا يزال هدفًا مركزيًا للحكومة السودانية، وقد جرى التأكيد عليه مرارًا من قبل السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس مجلس الوزراء، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن منع الإفلات من العقاب، وضمان المساءلة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، وتضميد الجراح، تشكل جميعها الأساس الحقيقي لأي سلام مستدام. وعلى هذا الأساس، فإن حكومة الأمل في السودان تبذل أقصى ما في وسعها لتحقيق العدالة في دارفور، إيمانًا منها بأن السلام والعدالة مساران متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
وانطلاقًا مما سبق، أود أن أشدد على النقاط التالية:
أولًا:
كما تعلمون، فقد ارتكبت ميليشيا الدعم السريع الإرهابية أعمالًا وحشية مروعة بحق المدنيين عقب احتلالها لمدينة الفاشر. وقد استنكر العالم أجمع هذه الجرائم، إذ نفذت ولا تزال تنفذ عمليات قتل ذات طابع عرقي واستعلائي، وأعمال ترويع ممنهجة وواسعة النطاق استهدفت المدنيين العزّل، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، إضافة إلى استهداف المدن والبنى التحتية بالطائرات المسيّرة.
وقد بلغت هذه الجرائم من الفظاعة حدًا جعل مرتكبيها يوثقونها بأنفسهم في مشاهد صادمة تعكس استخفافًا كاملًا بالقيم الإنسانية والعدلية، ما يكشف عن الطبيعة الإجرامية المتجذرة لميليشيا جعلت من سفك دماء المدنيين وممارسة الإرهاب نهجًا لها.
لقد خططت هذه الميليشيا، بدعم وتشجيع من رعاتها الإقليميين، لتنفيذ جريمة إبادة مكتملة الأركان عبر فرض حصار خانق على مدينة الفاشر وتجويع سكانها لما يقارب العامين والنصف، قبل أن تتوج هذه السياسة الإجرامية بمجزرة مروعة تضاف إلى سجلها الحافل بالفظائع، الممتد من الجنينة في غرب دارفور إلى قرى وأرياف ولاية الجزيرة، مرورًا بالخرطوم وسنار وكردفان، وكل مكان دنسته أقدام عناصر هذه الميليشيا.
إن هذه الحرب التي شنتها هذه الميليشيا الإرهابية ضد المواطن السوداني تمثل سابقة خطيرة في تاريخ الجرائم الجماعية، وقد جعلت منها نموذجًا صارخًا للإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين الأبرياء. وحيثما حلت هذه الميليشيا، حل القتل والترويع والدمار.
ولا شك أن جميع هذه الجرائم تندرج بوضوح ضمن الاختصاص الموضوعي والجغرافي للمحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يستوجب من المحكمة الإسراع في توجيه التهم وإصدار أوامر قبض بحق القادة المتورطين، لا سيما أن بعضهم ظهر علنًا أمام كاميرات الهواتف وهو يوثق لجرائمه في استهتار واضح بالعدالة والمساءلة.
إن الإبطاء في ممارسة الاختصاص الجنائي للمحكمة يثير تساؤلات مشروعة، خاصة بعد ارتكاب جريمة الإبادة العرقية في الفاشر مرتين منذ مايو 2023.
ثانيًا:
إن ما ارتكبته هذه الميليشيا من فظائع لم يكن ليحدث لولا الرعاية والدعم والتشجيع الذي تلقته من دولة راعية تعلمونها، وفرت لها السند العسكري والمالي والسياسي واللوجستي والإعلامي.
وعليه، فإن من الأهمية بمكان أن تمتد تحقيقات المحكمة لتشمل كل من يثبت تورطه في دعم هذه الميليشيا أو التواطؤ معها، سواء من القادة أو الممولين أو الرعاة الإقليميين المحرضين، لا سيما أن المحكمة الجنائية الدولية تتمتع بالاختصاص القانوني لملاحقة جميع المتورطين في هذه الجرائم أياً كانت مواقعهم أو بلدانهم.
كما نؤكد أن نطاق التحقيق ينبغي أن يشمل الجهات الإعلامية التي اضطلعت بدور خطير في تبييض جرائم الميليشيا، والتقليل من فظائعها، والاستخفاف بمعاناة الضحايا، في انتهاك صارخ لأخلاقيات الإعلام والمسؤولية المهنية.
وفي هذا السياق، نلفت الانتباه إلى الدور الذي لعبته قناة سكاي نيوز عربية، التي تتخذ من الدولة الراعية للميليشيا مقرًا لها، حيث انتهجت مسارًا تضليليًا واضحًا. وتؤكد تجارب التاريخ، من ألمانيا النازية إلى رواندا وغيرها، أن بعض الوسائل الإعلامية قد تلعب دورًا تحريضيًا لا يقل خطورة عن السلاح ذاته.
وعليه، فإن العدالة لن تتحقق إلا بمساءلة من يقتل، ومن يمول، ومن يسلح، ومن يغطي الجرائم إعلاميًا، ويطيل أمدها. كما نطالب بضم المحرضين على قتل المدنيين واغتصاب النساء والفتيات والداعمين للميليشيا إلى دائرة المساءلة، والذين يقيم بعضهم في دول أوروبية من بينها دول أعضاء في هذا المجلس.
ثالثًا:
انطلاقًا من كون تحقيق العدالة عن الجرائم المرتكبة في دارفور أولوية قصوى للحكومة الانتقالية في السودان، فإننا نواصل تعاوننا مع المحكمة الجنائية الدولية.
وفي هذا الإطار، قام مكتب المدعي العام للمحكمة بزيارة إلى السودان خلال الفترة من 29 يوليو إلى 11 أغسطس 2025. كما قام السيد النائب العام السوداني، بصفته رئيس لجنة جرائم الحرب وانتهاكات القانون الدولي الإنساني، بزيارة إلى لاهاي في ديسمبر 2025.
وعقب استيلاء الميليشيا على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025 وما صاحب ذلك من جرائم وانتهاكات جسيمة، تعزز التعاون وتكثف تبادل المعلومات، وتمت الاستجابة لعدد من طلبات مكتب الادعاء بالمحكمة. كما يجري التحضير لزيارة مرتقبة لوفد من مكتب المدعي العام إلى معسكرات النازحين في بعض مناطق السودان، للقاء شهود عايشوا الهجوم على الفاشر.
ونشير في هذا الصدد إلى أن هناك طلبين فقط لما بعد أحداث الفاشر لا يزالان قيد النظر.
رابعًا:
على الرغم من مرور أكثر من عامين على مجزرة الجنينة، ورغم توفر الشهود والأدلة، لم تصدر المحكمة الجنائية الدولية حتى الآن أوامر توقيف بحق المتهمين بارتكاب تلك الجرائم.
إن هذا التأخير يبعث برسالة مقلقة، ويثير خيبة أمل عميقة لدى الضحايا، ويغذي شعور الجناة بالإفلات من العقاب، مما يشجعهم على مواصلة ارتكاب المزيد من الجرائم، كما حدث لاحقًا في الفاشر. ولو أن المحكمة سارعت، كما أعلن سابقًا أمام هذا المجلس من قبل المدعي العام نفسه، بإصدار أوامر قبض بحق المشتبه بهم في أحداث الجنينة، لربما أمكن تفادي تكرار تلك الفظائع في الفاشر وفي مناطق أخرى من السودان.
السيد الرئيس،
ختامًا، نؤكد أن مكافحة الإفلات من العقاب تمثل مقصدًا نبيلًا وجوهريًا من مقاصد العدالة، وهي ليست موضع خلاف، بل تشكل إحدى الركائز الأساسية لتحقيق السلام والاستقرار في السودان. وبناءً على ذلك، نجدد التزامنا بالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية من أجل تحقيق العدالة في الجرائم الدولية المرتكبة في دارفور، وإنصاف الضحايا، وترسيخ أسس سلام عادل ودائم في بلادنا.
وفي هذا السياق، نشير إلى أن السودان استقبل في الأسبوع الماضي المفوض السامي لحقوق الإنسان، الذي زار البلاد للوقوف على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع ضد المدنيين، وللتشاور مع حكومة السودان حول تنسيق الجهود لضمان تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم.
وقد وقف المفوض السامي خلال زيارته على الجوانب القانونية والعدلية التي تتبعها حكومة السودان في التعامل مع هذه الجرائم، مع التأكيد على أن ترسيخ حقوق الإنسان يمثل أولوية مركزية في سياسات حكومة الأمل، ومحورًا أساسيًا في استراتيجية الدولة.