مطار الفاشر – السودان، 26 أكتوبر 2025
إنّ الخدمات العامة القليلة التي شرعت الحكومة المنبثقة عن جماعة محمد حمدان دقلو شبه العسكرية في إنشائها، تُنظَّم بشكل غير رسمي، وبوتيرة متفاوتة من منطقة إلى أخرى، وهو ما بدأ يختبر صبر السكان المحليين.
منذ عدة أيام، تتصاعد وتيرة المفاوضات بين المكونات المختلفة لتحالف تأسيس (Tasis) أو ما يُعرف بـ”تحالف تأسيس السودان”، وهو الائتلاف المنبثق عن قوات الدعم السريع. ففي نيروبي وعواصم مجاورة أخرى، يسعى حلفاء الفريق محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي” إلى الإسراع في استكمال تشكيل الحكومة.
ومنذ جولة التعيينات الأولى في منتصف عام 2025، لم يضم مجلس الوزراء سوى ثلاثة وزراء فقط، إضافة إلى رئيس الوزراء محمد حسن عثمان التعايشي:
•سليمان صندل هقار: وزير الداخلية
•علاء الدين نقود: وزير الصحة
•عمار أمون دلدوم: وزير الخارجية
تأخّر تعيين ما يُتوقع أن يكون نحو عشرة وزراء إضافيين يعرقل حتى الآن إنشاء إدارة بدائية في نحو 40% من الأراضي السودانية التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وبحسب مصادر مقرّبة من تحالف تأسيس، فإن أسباب التأخير تعود جزئيًا إلى الخلافات بين مكونات الائتلاف حول توزيع الحقائب السيادية، حيث تُتهم قوات الدعم السريع بالسعي إلى تعظيم حضورها داخل الحكومة.
وعلى الأرض، تؤدي التوترات بين المجتمعات المتحالفة داخل “تأسيس” إلى إضعاف سلطة الوزراء القلائل الموجودين حاليًا. فهؤلاء الوزراء ينتمون إلى مجتمعات غير عربية، ويجدون صعوبة في فرض نفوذهم داخل ائتلاف تهيمن عليه القيادات العربية.
وقد اتسم النزاع السوداني بطابع عنصري بين المكونات المجتمعية، وهو ما تجلى سابقًا في مجازر الجنينة عام 2023، ثم تكرر مجددًا أثناء السيطرة على الفاشر في أكتوبر 2025.
الجبايات القسرية
داخل تحالف “تأسيس”، يُعزى البطء في إعادة تشغيل الخدمات العامة إلى حداثة تأسيس التحالف (فبراير 2025)، وإلى التهميش التاريخي للمناطق الخاضعة له من قبل الدولة المركزية.
وفي ظل غياب إدارة فعالة، تعاني البنية المالية للسلطة الناشئة. فعلى الرغم من إعلان قوات الدعم السريع في 8 يناير أنها باتت قريبة من إنشاء بنك مركزي في نيالا – العاصمة المعلنة لهم – إلى جانب نظام مصرفي مستقل، إلا أن الحكومة لا تمتلك حتى الآن ميزانية ولا تجمع الضرائب رسميًا.
وبالتالي، تتم الجباية بشكل غير رسمي وبالإكراه:
•عند نقاط التفتيش، تُفرض رسوم على المركبات المدنية وعلى البضائع وحتى على المساعدات الإنسانية.
•تُستخدم هذه الأموال لتمويل رواتب المقاتلين محليًا.
•في الأسواق تُفرض أيضًا إتاوات، دون وجود سجلات أو إيصالات رسمية أو أي آلية لضبط الأسعار.
تتركز نقاط التحصيل الرئيسية في عواصم الأقاليم الأربع الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع:
•الجنينة
•الضعين
•نيالا
•زالنجي
بينما لا يزال النظام غير مطبّق فعليًا في الفاشر، التي سقطت أواخر 2025 بعد حصار دام عامين.
السائقون المرتبطون مباشرة بالدعم السريع، وأحيانًا المنتمون إلى قبائل عربية متحالفة معها، يُعفون من الرسوم أو يدفعون مبالغ مخفّضة.
أما التعرفة شبه الثابتة في نقاط تفتيش قوات حميدتي فهي:
•50 ألف جنيه سوداني للسيارة الصغيرة (حوالي 21 دولارًا)
•100 ألف جنيه للبوكس (حوالي 42 دولارًا)
•200 ألف جنيه للشاحنة (حوالي 84 دولارًا)
بينما تفرض المليشيات القروية المسلحة رسومًا متغيرة وقابلة للتفاوض، غالبًا تُدفع نقدًا.
تأثير مباشر على الأسعار والزكاة والتراخيص
تنعكس هذه الجبايات مباشرة على ارتفاع أسعار السلع. كما تظهر فروقات في دفع الزكاة:
•التجار المرتبطون بالدعم السريع يدفعون فقط 45% من المبلغ المطلوب.
وللحصول على رخصة مزاولة نشاط تجاري:
•يدفع أصحاب المتاجر: 200 ألف جنيه (84 دولارًا)
•بائعات الشاي: 7 آلاف جنيه (حوالي 3 دولارات)
مرة أخرى، يُعفى المقرّبون من الدعم السريع من هذه الرسوم.
استعادة الشرطة جزئيًا في نيالا
حتى الآن، نجحت إدارة “تأسيس” في تنظيم نفسها نسبيًا في مدينة نيالا بجنوب دارفور، حيث تحاول السلطات المحلية إقناع موظفي الدولة السابقين بالعودة إلى العمل.
وقد أُعيد تشغيل جهاز الشرطة في المدينة إلى حد كبير، لكن على أساس الولاء للدعم السريع ولأفراد المجتمعات العربية الحليفة. كما جرى تجنيد أعداد كبيرة من النساء في الشرطة.
أُعلن كذلك عن إعادة فتح المدارس في سبتمبر، لكن بعض المعلمين – الذين ما زال بعضهم يتقاضى رواتب من الدولة المركزية التابعة للجيش – رفضوا العودة خوفًا من اتهامهم مستقبلًا بالتعاون مع سلطة الدعم السريع.
وفي الوقت الراهن، تُدار معظم المدارس بواسطة متطوعين، داخل مقار منظمات مجتمع مدني أو منازل خاصة، بعدما دُمّرت كثير من المدارس أو تحولت إلى ملاجئ للنازحين.
إدارة محلية محدودة ونقص في الوثائق الرسمية
في مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الدعم السريع، أُنشئت لجان محلية منذ الأشهر الأولى للحرب، قبل تأسيس تحالف “تأسيس”. وتضم هذه اللجان شخصيات محلية من الإدارة السابقة أو من المجتمع المدني، وتعمل تحت حماية الدعم السريع، لكن نطاق عملها لا يتجاوز حدود المدن.
هذا الوضع الإداري الهشّ زاد من تذمر السكان، خاصة بسبب عدم حصولهم على أوراق ثبوتية (بطاقات هوية)، رغم وعود “تأسيس” بإصدارها قريبًا. ونتيجة لذلك، لا يستطيع المواطنون السفر.
كما أن سكان مناطق الدعم السريع محرومون من تجديد جوازاتهم أو بطاقاتهم في القنصليات بالخارج. أما محاولة إنجاز ذلك في مناطق سيطرة الجيش فتُعرّضهم لخطر الاتهام بالتعاون مع الطرف الآخر.
ويبدو أن الفريق عبد الفتاح البرهان قد أبدى بعض المرونة مؤخرًا في هذا الملف، لكن وزير داخليته الفريق بابكر سمرا مصطفى ما زال يتبنى موقفًا متشددًا.
دبلوماسية جنينية محدودة
على الصعيد الخارجي، تسعى قوات الدعم السريع إلى تعزيز حضورها في العواصم الكبرى، بالتوازي مع استمرار مفاوضات “الرباعية حول السودان” (السعودية، مصر، الولايات المتحدة، الإمارات).
وزير الخارجية عمار دلدوم واجه صعوبات في السفر منذ تعيينه، لكن تحالف “تأسيس” يعتمد منذ سبتمبر 2025 على ممثل خاص في الأمم المتحدة للتحدث باسم حكومته.
وهذا الممثل هو غوني مصطفى الشريف، القيادي السابق في الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال.
ورغم أن الأمم المتحدة لا تعترف بهذه الحكومة ولا بممثلها رسميًا، فقد تمكن الشريف من عقد لقاءات مع رئيس وزراء كينيا ووزير خارجيتها موساليا مودافادي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة