تطوّر الطب الحديث في السودان في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي-المصري المجلد الثاني (1924–1956)

د. أمجد إبراهيم سلمان
تأليف: د. طارق عبد الكريم الهد
ترجمة: د. أمجد إبراهيم سلمان
توطئة:
يقدّم المجلد الثاني من كتاب «تطور الطب الحديث في السودان في عهد الحكم الثنائي الإنجليزي – المصري» نفسه بوصفه حلقةً ضمن مشروعٍ توثيقي واسع يسعى إلى كتابة تاريخٍ شامل للطب في السودان، مع تركيز هذا الجزء على فترة الحكم الثنائي من عام 1924 حتى الاستقلال عام 1956. ويضع المؤلف عمله ضمن تقاليد بحثية سابقة، بدأت بمحاولة الدكتور بول سكوايرز توثيق التجربة التي عايشها بنفسه في «الخدمة الطبية السودانية»، ثم أعمال الدكتور أحمد بيومي ذات المنحى الوقائي، وأطروحة هيذر بيل التي قدّمت قراءة تحليلية للسياسات الاستعمارية دون أن تهدف إلى سردٍ تاريخي شامل، مع الإشارة إلى محاولات سودانية حديثة لم تتح للمؤلف فرصة مراجعتها وقت إعداد العمل.
مشروع توثيقي بثلاثة أبعاد
يوضح الدكتور طارق الهد أن مشروعه يقوم على ثلاثة مسارات متكاملة: كتابة مقالات تاريخية متفرقة عن شخصيات ومحطات مفصلية، وترجمة مصادر أجنبية مختارة إلى العربية لإتاحة مادتها للباحثين، ثم إنجاز عملٍ موسوعي يمتد من مملكة الفونج حتى فجر الاستقلال، مع دعوة باحثي المستقبل لاستكمال السرد إلى القرن الحادي والعشرين. ويبيّن أن المجلد الأول (الصادر عام 2020) تتبّع الجذور البعيدة لتشكّل الطب الحديث، بينما يأتي هذا المجلد ليقدّم معالجة أكثر تفصيلًا لتطور الصحة العامة، والبحث الطبي، والتعليم والتدريب، وبناء المؤسسات خلال الفترة 1924–1956.
نشوء الخدمة الطبية السودانية
يستعرض الكتاب نشأة «الخدمة الطبية السودانية» عام 1924 وتحوّلها من مؤسسة علاجية محدودة إلى جهازٍ متكامل للصحة العامة، شمل الصرف الصحي، والحجر الصحي، ونقاء المياه، ومكافحة البعوض، في سياق توسّع الدولة الاستعمارية وبسط سيطرتها الإدارية.
المستشفيات والريف والصحة العامة
يتناول السرد نمو شبكة المستشفيات والشفخانات، والتوسع التدريجي في الخدمات الصحية بالمناطق الريفية، مع إبراز التحديات البنيوية واللوجستية التي واجهت إيصال الخدمة إلى الأقاليم البعيدة.
الاقتصاد والأوبئة: مشروع الجزيرة نموذجًا
يحلّل الكتاب أثر المشروعات الاقتصادية الكبرى، وعلى رأسها مشروع الجزيرة، في بروز أنماط مرضية جديدة مثل البلهارسيا والملاريا، وكيف فرضت هذه التحولات استجابات صحية وتنظيمية غير مسبوقة.
من الإدارة الاستعمارية إلى وزارة الصحة
يرصد المؤلف التحول المؤسسي بإنشاء وزارة الصحة عام 1948، وصعود مسار «السودنة» في الجهاز الصحي، وصولًا إلى اكتمال السيطرة الوطنية على النظام الصحي عام 1954، قبيل الاستقلال.
مدرسة كتشنر الطبية وتكوين النخبة
يضع الكتاب مدرسة كتشنر الطبية في قلب السرد، بوصفها حجر الزاوية في تكوين النخبة الطبية السودانية، متناولًا تطور المناهج والامتحانات والهيئة التدريسية والاعتراف الأكاديمي، ثم اندماجها في كلية جامعة الخرطوم تمهيدًا لقيام جامعة الخرطوم بعد الاستقلال.
تدريب الكوادر وتوسيع الخدمة
يتوسع المؤلف في برامج تدريب القوى العاملة الصحية، من أطباء وممرضات وقابلات ومساعدين طبيين وضباط صحة عامة، إلى الفنيين في المختبرات والأشعة والبصريات، مع إبراز الدور الحاسم للمساعدين الطبيين وضباط الصحة العامة في إيصال الخدمة إلى الأقاليم.
الإرساليات المسيحية والطب
يتناول الكتاب الدور الطبي للإرساليات المسيحية، خاصة في جنوب السودان وجبال النوبة، ضمن سياقات السياسات الاستعمارية وسياسة الجنوب والقيود المفروضة على النشاط التبشيري، مبيّنًا تداخل الطب مع التعليم وبناء النفوذ.
البحث الطبي ومعمل ستاك
يخصّص العمل مساحة لتطور البحث الطبي، منذ التحولات المؤسسية التي أعقبت إنشاء معمل ستاك، ودور هنري ويلكوم في إرساء قاعدة بحثية وصحية مبكرة، مع مناقشة قرارات إدارية استعمارية أثّرت سلبًا على فرص البحث والدعم الدولي.
قيمة العمل وآفاق الاستكمال
في مقدمة روبرت إس. كريمر، يُؤطَّر الكتاب بوصفه عملًا توثيقيًا غنيًا بالسير الذاتية والجداول والبيانات، يجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي–الثقافي، ويبرز كيف أصبح النظام الطبي بعد الحرب العالمية الثانية «سودانيًا فعليًا». ويختم المؤلف بالإشارة إلى الملاحق والسير والشهادات الحيّة، مع الإقرار بوجود فجوات—لا سيما في تاريخ الخدمات الطبية العسكرية—داعيًا الباحثين إلى سدّها مستقبلًا.



