الصادق البديري
يتصرف العالم هذه الأيام وكأن عام 2003 لم يكن درساً كافياً، إذ تعيش منطقة الخليج العربي على وقع أضخم حشد عسكري أمريكي منذ اجتياح العراق، في مشهد يجمع بين هول الاحتمالات وسخرية المفارقات، حيث تتجاور البوارج والمفاوضون، والتهديدات وأكواب القهوة السويسرية، في تناغم عبثي بامتياز*.
وتعيش الأزمة الأمريكية الإيرانية فصلاً جديداً تناوله تقرير ساخر رصد كيف يوجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهديدات صباحاً ويبدي التفاؤل بالمفاوضات مساءً في اليوم ذاته، ليستحق لقب “فيلسوف التناقضات الاستراتيجية”.
ففي 13 فبراير 2026، صرح بأن المفاوضين الأمريكيين “سينجحون”، ثم عاد ليؤكد أن الإيرانيين “لا يملكون سجلاً حافلاً بالإنجازات”. وكأن الجمهور يحتاج إلى برنامج يومي يوضح له ما إذا كنا نسير نحو السلام أم الحرب.
وعلى صعيد التصعيد، وصلت قاذفات “بي-2 سبيريت” الاستراتيجية التي تبلغ تكلفة الواحدة منها 2 مليار دولار إلى حالة تأهب قصوى، فيما تتجه حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر. فورد” إلى منطقة أثارت فيها سابقتها “أبراهام لينكولن” موجة من التساؤلات، ويبدو أن الحاملة الأولى كانت تشعر بالوحدة في مياه الخليج، فأرسلت لها واشنطن رفيقة للسهر.
وفي إطار متصل، لا تبدو طهران متأثرة كثيراً بهذا الزحف المعدني، إذ صرح المتحدث العسكري الإيراني أبو الفضل شكارجي بأن أي عدوان “سيشعل عالمهم”، فيما وصف الرئيس مسعود بزشكيان أي ضربة محتملة بأنها ترقى إلى “حرب شاملة”، إنه الرد الكلاسيكي في مسرحية تُعرض منذ 1979 بممثلين متجددين وحوارات ثابتة*.
ومن جهة أخرى، يصعب إغفال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يرى وفق خبراء الاستخبارات الإسرائيلية في هذا الحشد “لحظة ذهبية لا يمكن تفويتها”، ليقف في الخلفية فارك الكفين مبتسماً بينما يتقاذف الكبار التهديدات.*
أما خلاصة الموقف الإسرائيلي فتختصرها جملة بليغة: “دعوا أمريكا تتحمل التكلفة والدموع، ونحن نلتقط الثمار”.
وتتجلى أطرف مفارقات هذا الفصل في توقيت 14 فبراير، يوم عيد الحب بالضبط، حيث اختارت واشنطن الإعلان عن أن “تغيير النظام في إيران هو أفضل شيء يمكن أن يحدث”، رسالة حب من نوع خاص لا تجدها في أي محل زهور.
*وعلى المستوى الدبلوماسي، تمضي جولات التفاوض في بخطى هادئة، فيما نائب وزير الخارجية الإيراني يعلن أن “الكرة في الملعب الأمريكي”، في حين أن الملعب نفسه تجوب فيه حاملتا طائرات وقاذفات استراتيجية، وهنا تكمن عبقرية الدبلوماسية الأمريكية: تفاوض وأنت مسلح، وإن فشلت فسلاحك جاهز
ويشكل المشهد الحالي كما يبدو، المسرحية ذاتها التي بدأت قبل 47 عاماً بتغيير الممثلين وتثبيت الحوار.
فأمريكا ترسل البوارج، وإيران تهدد بإشعال الكون، وإسرائيل تبتسم في الكواليس، أما المواطن العادي في المنطقة، فيجلس في مقعد المشاهد المدفوع الثمن دون أن يسأله أحد عن رأيه في كل هذه المهزلة الكبرى.