تراتبيَّة القتل: كيف يختار تحالف (صمود) ضحاياه؟

خالد محمد أحمد

يكشف استجداء تحالف (صمود) المجتمع الدولي لتشكيل لجنةٍ للتحقيق في مزاعم استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحةً كيميائية عن تهافتٍ سياسي رخيص واختلالٍ مفاهيمي صارخ.

فعلى امتداد هذه الحرب، لم يجِد التحالف في إقدام الجنجويد على قتل آلاف المدنيين بالأسلحة التقليدية، ولا في تشريد الملايين، ولا في الخراب الشامل الذي ألحقوه بأجزاء واسعة من البلاد ما يستوجب اتخاذ خطواتٍ عملية للمطالبة بتحقيقٍ عاجلٍ في هذه الانتهاكات الجسيمة؛ بينما يكفي مجرَّد الاشتباه في استخدام سلاحٍ محظور لتُسْتنفَر الآلة السياسية والإعلامية ويُرفَع الاتهام إلى مقام الحقيقة.

صحيح أن التحالف سبق وأن طالب بالتحقيق في انتهاكات الطرفين؛ غير أن تلك المطالبات كانت محصورة في الإعلام ولم تتجاوز الخطوات الشكلية. أمَّا هذه المرَّة، فقد بادر التحالف بالتواصل المباشر مع رئيس المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، السفير توماس شيب، وهو ما يعكس أن جِديَّة التحرُّك العملي مرتبطةٌ بالظرف الميداني المتدهور لحليفهم العسكري.

وبهذا المنطق، يبدو أن هناك تراتبيَّةً خفيَّة للقتل في نظر (صمود)؛ فالاشتباه في القتل بسلاحٍ كيميائي لم يُحسَم أمره بتحقيقٍ دولي مستقلٍّ يُعَدُّ أشدَّ جرمًا، وأكثر إلحاحًا من الناحية الأخلاقية من قتلٍ يومي موثَّق على نطاقٍ واسع بالسلاح التقليدي ومقرونٍ بالاغتصاب الجماعي، والتعذيب الممنهج، والتهجير الواسع، والنهب المنظَّم، وتدمير المدن والقرى على رؤوس ساكنيها.

وكأنَّ الضحيَّة لا تُدوَّن في سجلَّات الضمير بوصفها إنسانًا مدنيًّا قُتِل، بل تُخضَع لتقييمٍ تقني بحسب أداة قتلها؛ فالموت العادي رخيصٌ لا يستحقُّ الالتفات، أمَّا إذا نُفِّذ بسلاحٍ “أفخم إعلاميًا”، فعندها فقط يرتقي إلى مأساةٍ جديرةٍ بالعناوين العريضة والتحقيقات العاجلة العابرة للحدود.

فمن الواضح أن تركيز (صمود) على السلاح الكيميائي بوصفه محورًا مُلحًّا لإجراء التحقيق لا ينبع من حرصٍ مبدئي على القانون الدولي بقدر ما يستند إلى الحمولة الرمزية والحساسية القانونية والإعلامية المرتبطة بهذا السلاح في الوعي الدولي، وما يتيحه من ضغطٍ سريع وفعَّال داخل الدوائر الغربية.

فهل يُعقَل أن تُبْنَى المواقف المبدئية على ما هو “أكثر قابلية للتسويق والرواج” دوليًا، لا على أغوار النزف في الجسد السوداني؟

ومع ذلك، لا بُدَّ من التأكيد درءًا لأيِّ التباسٍ بين النقد والاستخفاف أن التنبيه إلى هذا الخلل المفاهيمي لا ينطوي بأيِّ حالٍ من الأحوال على التقليل من خطورة استخدام السلاح الكيميائي، ولا من فداحة ما يمثِّله قانونيًا وأخلاقيًا. إنَّما المقصود هو مساءلة المنطق الذي يجعل من هذا السلاح دون سواه بوَّابة الاستنفار القصوى، بينما يُتْرَك الموت “غير الكيميائي” واسع النطاق خارج دوائر الاهتمام، وكأنَّه لا يرقى رمزيًا إلى مستوى الجريمة المكتملة الأركان.

على تحالف (صمود) أن يتدارك هذا التناقض؛ فالعدالة لا تُقاس بنوع الأداة التي أزهَقت الروح، بل بطبيعة الجريمة واتساع مداها. وأيُّ خطابٍ يتخيَّر ضحاياه، ويُفاضِل بين الموتى، ويُجزِّئ الألم الإنساني، ويُحدِّد متى يستيقظ الضمير ومتى يُغمِض عينيه هو خطابٌ فاسدٌ لا يليق بجهةٍ تدَّعي أنها تصدَّرت المشهد ابتغاء تحقيق العدالة بين أبناء الشعب الواحد؛ فالعدالة التي تُكَال بمكيالين ليست سوى أداة فرزٍ سياسية تمنَح بعضهم أولوية لمجرَّد أن طريقة قتلهم أفظع وأفدح في القاموس الدولي، بينما تَغضُّ الطرف عن آخرين لأنهم قُتِلوا بوسائل “أقلَّ إثارة”.

Exit mobile version