تحوّلات الخطاب الأميركي تجاه السودان: من دبلوماسية القلق إلى تسمية الشرّ وكشف رعاة الفوضى

كتب:الأستاذ موسى داؤد
لم يعد خطاب الخارجية الأميركية في مجلس الأمن بشأن السودان مجرّد ترديدٍ محفوظٍ لمفردات القلق الإنساني أو مراعاة التوازنات الرمادية، بل تحوّل إلى نصٍّ سياسيٍّ كاشفٍ عن انعطافةٍ بنيوية في العقل الاستراتيجي الأميركي. نحن بإزاء انتقالٍ محسوب من لغة الاحتياط الدبلوماسي إلى فضاء المساءلة الأخلاقية، ومن إدارة الأزمة إلى إعادة تعريفها وتسمية أطرافها وتحديد مسؤولياتها.
إن ما عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في جلسات مجلس الأمن والأمم المتحدة الأخيرة لا يمكن قراءته كخطابٍ عابر أو تصريحٍ مناسباتي، بل بوصفه إعادة تموضع أميركي في واحدة من أكثر أزمات الإقليم تعقيدًا وتشابكًا، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية مع اقتصاد الحرب، وتُدار المأساة بوصفها مشروع نفوذ لا ككارثة إنسانية.
أولًا: إدانة العنف… تثبيت المرجعية الأخلاقية كمدخل للمساءلة
جاءت إدانة روبيو الصريحة لاستمرار العنف، ولا سيما قصف المدنيين واستهداف الأحياء السكنية، لتؤكّد تمسّك واشنطن بمرجعية حماية المدنيين، لا باعتبارها شعارًا أخلاقيًا مجرّدًا، بل كأداة سياسية وقانونية لإعادة توصيف الصراع.
هذا التثبيت الأخلاقي ليس بريئًا ولا تقليديًا؛ إنّه تأسيسٌ سرديٌّ متعمّد لمرحلةٍ لاحقة، تُدرج فيها الانتهاكات ضمن خانة الجرائم الجسيمة، وتُنزَع عنها أي محاولة لتبريرها بذريعة الحرب أو «توازن القوة». هنا، تتحوّل اللغة إلى مقدّمة للعقاب، والخطاب إلى أرضية للمساءلة.
ثانيًا: تسمية الجاني… سقوط خطاب «الأطراف المتنازعة»
التحوّل الأخطر في الخطاب الأميركي يتمثّل في تسمية قوات الدعم السريع بوصفها مسؤولًا مباشرًا عن التصعيد، ووصف المشهد الإنساني بالمرعب. في هذه اللحظة، تسقط لغة «الأطراف» المتساوية، ويُعاد رسم المشهد السياسي بخطوطٍ حادّة:
دولةٌ تتآكل تحت السلاح،
ومليشيا تعمل خارج منطق الدولة،
وتتغذّى على الفوضى والانتهاك.
هذا التمييز ليس لغويًا فحسب، بل هو انقلاب في ميزان السرد الدولي، يفتح الباب أمام توصيفات قانونية أشدّ قسوة، ويجرّد المليشيا من أي غطاء سياسي أو أخلاقي كانت تتسلّل من خلاله إلى المشهد الدولي.
ثالثًا: وقف إمدادات السلاح… كسر شرايين الحرب وفضح الرعاة
دعوة روبيو إلى وقف إمدادات السلاح وقطع الدعم الخارجي عن قوات الدعم السريع تمثّل المنعطف الاستراتيجي الأهم في الخطاب الأميركي. فالاعتراف بأن هذه المليشيا لا تعيش بذاتها، بل تُغذّى عبر شبكات إقليمية، هو اعترافٌ ضمنيٌّ بوجود دولٍ راعية للفوضى، تستثمر في الدم، وتحول الأزمات إلى مشاريع نفوذ.
في هذا السياق، يبرز اسم دولة الإمارات لا كطرفٍ محايد، بل كفاعلٍ إقليمي بات مكشوفًا في صناعة النزاعات، وتغذية الحروب بالمال والسلاح والظلّ السياسي. إنها لحظة انكشاف قاسية: دولةٌ صاغت صورتها على واجهة الاستقرار، بينما كانت في العمق تنسج خرائط الخراب من ليبيا إلى اليمن، ومن السودان إلى القرن الإفريقي.
رابعًا: الهدنة الإنسانية… امتحان النيات وكشف رهانات الفوضى
إصرار واشنطن على وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار وفرض هدنة إنسانية ليس نداءً عاطفيًا، بل اختبارًا سياسيًا صارمًا. فالاستجابة للهدنة تعني القبول بمنطق الدولة والمسؤولية، أمّا رفضها أو خرقها فيعني الاصطفاف العلني مع مشروع الفوضى، وفضح الأطراف التي ترى في استمرار الحرب فرصةً لتوسيع النفوذ وإعادة هندسة الإقليم على جثث الأبرياء.
خامسًا: إعادة مركزية الضحية… كسر منطق القوة
حين أعاد روبيو التركيز على الكارثة الإنسانية، أعاد المدني السوداني إلى قلب المشهد بعد أن حاولت لغة السلاح طمسه. لم تعد الحرب صراع جنرالات ولا لعبة محاور، بل مأساة شعبٍ يُستنزف ببطء، ويُترك وحيدًا في مواجهة آلة قتلٍ عابرة للحدود، تموّلها حسابات الربح الإقليمي وتُدار ببرود المصالح.
خلاصة استراتيجية: أميركا تغيّر موقعها… والإمارات في دائرة الانكشاف
يمكن القول إن الخطاب الأميركي الأخير يؤشّر إلى تحوّلٍ تدريجي من إدارة الأزمة إلى تهيئة مسرح المساءلة. ورغم أنّ واشنطن لم تبلغ بعد قراراتٍ حاسمة، إلّا أنّ اللغة تغيّرت، والسقف ارتفع، والرسائل باتت أكثر وضوحًا:
المليشيات لم تعد شركاء اضطرار.
رعاة الحرب لم يعودوا خلف الستار.
ودول «الاستثمار في الفوضى» بدأت تفقد قدرتها على التخفي.
في هذا السياق، تقف دولة الإمارات أمام منعطفٍ تاريخيٍّ حرج: إمّا مراجعة دورٍ بات عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا، أو المضي في مسارٍ سيضعها في خانة الدول المارقة التي تصنع الأزمات ثم تتباكى على نتائجها.
أمّا السودان، فبرغم الجراح، فإن انكشاف الحقيقة هو أول الطريق نحو العدالة… وأول هزيمةٍ حقيقية لمشروع الفوضى.



