سليمان العقيلي
يمثل إعلان كيان الأنصار – التنظيم الديني والاجتماعي التاريخي لأتباع المهدية – دعمه الكامل للقوات المسلحة السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان، تحولاً استراتيجياً لافتاً في المشهدين السياسي والديني بالسودان، في ظل حالة التشظي السياسي والأمني التي أفرزتها الحرب الأهلية المستمرة منذ أبريل 2023.
فقد سلّم زعيم الكيان أحمد المهدي اليوم ( 22 يناير 2026 ) وثيقة “عهد وميثاق” تؤكد وقوف الأنصار إلى جانب الجيش في “حرب الكرامة” ضد قوات الدعم السريع (RSF)، مشيداً بانتصارات القوات المسلحة التي أسهمت في تسهيل عودة المواطنين إلى مناطقهم، ومؤكداً أن السودان سيظل “وطناً عصياً على المؤامرات”.
ويعد هذا الموقف مؤشراً على سعي الكيان لاستعادة حضوره الوطني وتوحيد قواعده الاجتماعية والسياسية خلف الجيش، خصوصاً مع الانقسامات التي يعاني منها حزب الأمة القومي التاريخي المرتبط بالأنصار. فتيار أحمد المهدي يبدو متمايزاً عن مواقف زعامات سابقة كالصادق المهدي الذي توفي في ابوظبي وفي ظلها السياسي. حيث تبنت نهجاً أقرب إلى الحياد أو اتُهمت بتقديم دعم ضمني لحميدتي استناداً إلى روابط إقليمية مع الإمارات.
هذا التحول يعزز موقع الجيش سياسياً ويمنحه غطاءً شرعياً شعبياً ودينياً، في وقت تتراجع فيه مكانة الدعم السريع الذي يعتمد على دعم خارجي وشبكات محلية محدودة التأثير.
يتزامن ذلك مع دعم إقليمي متزايد للجيش السوداني من قبل مصر والسعودية، اللتين تعملان على كبح تدفق الإمدادات الإماراتية إلى الدعم السريع عبر ليبيا، من خلال الضغط على خليفة حفتر والتلويح بتقديم بدائل اقتصادية وعسكرية للخرطوم. هذا الحراك يعكس رؤية إقليمية تهدف إلى حماية استقرار الحدود ومنع تفكك الدولة السودانية، بما يتجاوز الحسابات العسكرية إلى أبعاد سياسية وأمنية أوسع.
بالمقابل، تواجه قوات الدعم السريع تآكلاً واضحاً في شرعيتها الداخلية والخارجية، بعد تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة في سبتمبر 2025 الذي وصف ممارساتها بأنها “جرائم حرب واسعة النطاق” و”جرائم ضد الإنسانية”، شملت الإبادة الجماعية والاغتصاب والتجويع في الفاشر ودارفور. وقد تبع ذلك فرض عقوبات أمريكية وأوروبية زادت من عزلتها الإقليمية والدولية وساهمت في تفاقم الانقسامات داخل صفوفها خصوصاً في المناطق الشرقية والشمالية.
وعلى الرغم من أن إعلان الأنصار دعمهم للجيش قد يُسرّع ببلورة اصطفاف وطني جديد يعزز قبضة الدولة المركزية في الشمال والشرق، إلا أنه في الوقت نفسه إلا انه قد يكون تأثيره نسبي مما ينذر بإطالة أمد الحرب إذا لم ترافقه ضغوط دولية صارمة لوقف تدفق السلاح الإماراتي لمليشيات الدعم السريع. في ظل هذا الواقع يبدو أن عام 2026 مرشح لأن يشهد استمرار الصراع، مع خطر تحول السودان إلى نظام حرب مزمن تتداخل فيه الولاءات المسلحة مع حسابات النفوذ الإقليمي، بعيداً عن مسار الحلول السياسية الشاملة. إلا إذا تلقى الجيش السوداني الدعم الكافي للحفاظ على وحدة السودان وسيادته وسلامته الاقليمية وأطلق بموازاة ذلك مبادرة سياسية شاملة.