تحول جذري في الولايات المتحدة الأمريكية: قراءة في تداعيات انتخاب “مناهضي إسرائيل”

رمضان أحمد

يمثل فوز الدكتور عبد الرحمن السيد، (أمس 5 أغسطس 2026)، في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن الأمريكية، أحدث حلقات سلسلة من التحولات الجذرية التي يمكن وصفها بانقلاب سياسي واجتماعي نادر في تاريخ الولايات المتحدة. يأتي هذا الفوز بعد اكتساح مرشحين آخرين، يدعمون الخط السياسي لعمدة نيويورك السيد ظهران ممداني، في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ. وما يميز هؤلاء الفائزين جميعاً هو تبنيهم خطاباً مناهضاً للحرب على غزة وداعماً للحقوق الفلسطينية، مما ينبئ بأن معايير الترشح للانتخابات الأمريكية قد تحولت جذرياً: من قسم الولاء التقليدي لإسرائيل، إلى مواقف أكثر نقداً للسياسات الإسرائيلية وأكثر دعماً للرواية الفلسطينية.

هذا التحول لا يقتصر على السياسة الخارجية فقط، بل يمتد ليشمل نقداً للفكر الرأسمالي النيوليبرالي الذي يركز على الفردانية المطلقة على حساب الجماعة. فالديمقراطيون الاشتراكيون، الذين يبرز نجمهم الآن، يعززون قيم التضامن الاجتماعي بدءاً من الأسرة والمجتمع المحلي، في مواجهة السياسات التي تهمش الفئات المهمشة.. وفي هذا المقال، سنتتبع جذور هذا الانقلاب والظروف الموضوعية التي هيأت له، ثم نناقش انعكاساته المرتقبة على المنطقة العربية.

الإعلام الجديد: سيف الكلمة على رأسه اللوبي:

لا شك أن الإعلام الاجتماعي – خصوصاً منصتي تيك توك ويوتيوب – لعب دوراً محورياً في تغيير وعي الرأي العام الأمريكي. فبينما ظل الإعلام التقليدي خاضعاً لهيمنة اللوبيات الصهيونية بفضل نفوذها المالي والضاغط، كان الصحفيون التقليديون يخافون الخروج عن الخط الأحمر المحدد، مما جعل الرواية السائدة في التلفزيونات الكبرى أحادية الجانب بشكل كبير. ولكن مع ظهور منصة تيك توك الصينية بقوة خلال العامين الماضيين، انتشر مفهوم “الصحفي المواطن” ونقل المشاهد من الميدان مباشرة دون رقابة، مما كسر احتكار الرواية الرسمية. وقد تزامن ذلك مع أحداث 7 أكتوبر 2023 وما تلاها من حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، حيث انتشرت مشاهد مروعة عبر تيك توك ويوتيوب، أحدثت شرخاً عميقاً في الضمير الجمعي الأمريكي، خاصة بين الشباب والناخبين الجدد.

إلى جانب ذلك، برزت قنوات يوتيوب مستقلة وأصبحت أيقونات للصحافة البديلة، واستطاعت سحب البساط من تحت القنوات الرسمية. هؤلاء الصحفيون المستقلون التزموا بالحقائق الميدانية، ونأوا بأنفسهم عن الضغوط المؤسسية، مما أكسبهم ثقة الملايين. من أبرز هؤلاء: تاكر كارلسون (الذي كان أيقونة اليمين المحافظ)، وكانديس أوينز، وبيرس مورغان، ومهدي حسن، وكرستيان أمانبور، وديف جورجنسن، وغيرهم. أصبحت مشاهدات هؤلاء الصحفيين تفوق أحياناً مشاهدات شبكات كبرى مثل CNN وFox News، مما أحدث زلزالاً في المشهد الإعلامي الأمريكي لم يسبق له مثيل.

هزيمة “أمريكا أولاً” لصالح “إسرائيل أولاً”:

يُذكر أن فوز دونالد ترامب في انتخابات 2024 تحت شعار “أمريكا أولاً”، وبمشاركة قياسية بلغت حوالي 68% من الناخبين، كان تعبيراً عن تحول أمريكي عميق نحو العزلة النسبية والانشغال بالداخل بدلاً من المغامرات الخارجية، خاصة تلك التي تخدم إسرائيل دون عائد واضح لأمريكا. غير أن ترامب ارتكب خطأً استراتيجياً فادحاً عندما استجاب لضغوط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأقدم على شن حرب على إيران في 28 فبراير 2026، فيما عُرفت بـ”حرب الاثني عشر يوماً”. وقد صرّح نتنياهو في مقطع فيديو له في فبراير 2026 قائلاً:
“إن هذا التضافر في القوى يمكّننا من تحقيق ما تطلعتُ إلى تحقيقه طوال أربعين عاماً: توجيه ضربة ساحقة للنظام الإرهابي.”

هذه التصريحات، التي كشفت أن الحرب كانت هدفاً إسرائيلياً قديماً لا صلة مباشرة له بالأمن القومي الأمريكي، أحدثت صدعاً هائلاً. فانقلب الإعلام الأمريكي – حتى المحافظ منه – على ترامب بنسبة غير مسبوقة بلغت نحو 90%، وفقاً لبعض التحليلات الإعلامية، بما في ذلك قنوات كانت تعتبر مناصرة له مثل بلومبيرغ وبعض منصات اليمين المسيحي. وقد خسر ترامب تأييد أهم حلفائه من الصحفيين اليمينيين المسيحيين، الذين كانوا يشكلون الذراع الإعلامية الأقوى لحملته، على رأسهم تاكر كارلسون. هذا الصحفي المؤثر، الذي أجرى مقابلة مثيرة مع السفير الأمريكي في تل أبيب مايك هاكابي، صرح فيها الأخير بأنه “لا مانع من ضم أجزاء من الأردن والعراق والسعودية ولبنان ومصر لإسرائيل” بحسب رؤية “إسرائيل الكبرى” التوراتية. أثارت هذه التصريحات ضجة هائلة في الشرق الأوسط وأمريكا على حد سواء، وساهمت في تراجع التأييد الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن نحو 60% من الأمريكيين باتوا مناهضين للسياسات الإسرائيلية في غزة وإيران.

نقد رسمي غير مسبوق .. فانس يفضح العزلة الإسرائيلية:

لم يقتصر الانقلاب على الإعلام، بل امتد إلى أروقة السلطة. ففي خطاب علني نادر، انتقد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس القادة الإسرائيليين بسبب مهاجمتهم الاتفاق المبرم مع إيران، قائلاً إنه لا يليق بهم مهاجمة “الحليف القوي الوحيد” المتبقي لهم في العالم، وحثهم على “الاستفاقة وإدراك حقيقة الموقف”. وهذا الاعتراف، من أعلى مستوى في الهرم السياسي الأمريكي، بأن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تقف إلى جانب إسرائيل، يشكل لحظة فارقة، إذ يكشف هشاشة الموقف الإسرائيلي دولياً ويعكس تحولاً في الخطاب الأمريكي التقليدي القائل بأن لإسرائيل “حقاً أخلاقياً” غير مشروط في الدفاع عن نفسها.

ماذا يعني ذلك للعالم العربي؟

يبدو جلياً من تطور الأحداث أن دعم إسرائيل غير المشروط قد يتحول في الانتخابات الأمريكية القادمة إلى عبء سياسي يدفع ثمنه المرشحون، عكس العرف السائد الذي ظل سائداً لعقود. فما معنى ذلك بالنسبة للعالم العربي؟
باختصار، قد يكون هذا التحول نافذة أمل تاريخية للعالم العربي، لكنه ليس مضموناً تلقائياً. فهو يقدم فرصة ذهبية لإعادة التوازن للعلاقات الدولية، والتحرر من التبعية المفرطة لواشنطن. وبدلاً من انتظار بروز “سيد جديد” والخضوع له، يمكن للدول العربية – إذا توحدت واستثمرت مواردها البشرية والطبيعية بحكمة – أن تملأ الفراغ الاستراتيجي الناشئ، وأن تفكر في لعب دور أكثر استقلالية وفاعلية على الساحة الدولية.

لكن ثمة وجه آخر للعملة: فإن تراجع النفوذ الأمريكي يحمل بشرى كبرى للشعوب العربية التي طالما عانت من تدخلات واشنطن، لكنه في الوقت نفسه يثير مخاوف جدية لدى بعض الأنظمة العربية التي قد تجد نفسها في مواجهة احتجاجات شعبية متجددة، خاصة إذا ما أحس المواطنون بأن السلطة أصبحت أكثر قمعاً خوفاً من “ربيع عربي” جديد. قد نشهد، في المرحلة القادمة، مستويات من التوتر الداخلي لم نشهدها منذ عقد ونصف، مع سعي الأنظمة لاحتواء تداعيات الفراغ الدولي، إما بالانفتاح السياسي أو بمزيد من التشدد الأمني، بحسب قدراتها وحساباتها.

خلاصة القول: أمريكا التي نعرفها تتغير، وربما إلى الأبد. والمنطقة العربية أمام لحظة حاسمة: إما أن تكون جزءاً من صياغة النظام القادم، أو أن تظل رهينة لتقلباته.

Exit mobile version