فيما أرى عادل الباز ١ استغرقتني موجة عالية من الضحك وأنا أقرأ تصريح والي نهر النيل يدعو فيه المستثمرين إلى الاستثمار في الولاية، ويعدهم بالتسهيلات والامتيازات، ويمنيهم الأماني؛ ذلك لأن الوالي نفسه كان قبل أربع وعشرين ساعة فقط قد ألغى عقدًا مبرمًا مع شركة استوفت كل الشروط، لأنه يسمع للنسناسين والأجهزة المعطوبة والمسؤولين الصغار… كما سنرى. إليكم الحكاية. ٢ في إطار مشروع المليون وحدة سكنية الذي طرحته الدولة، سارع وزير الإسكان في ولاية نهر النيل بالبحث عن شركة ليبدأ معها شراكة مثمرة بين القطاعين الخاص والعام، وحدد لهذه الشراكة شروطًا لا يقبلها إلا مجنون. فتقدمت شركة المبارك، التي يملكها ويديرها أيمن مبارك أبو جيبين، بحسب تخصص الشركة في هذا المجال، بعرضٍ تبني بموجبه نموذجًا محدودًا عبارة عن ستين منزلًا صغيرًا تجريبيًا، فإذا وافقت عليه الولاية أمكن للشركة أن تستمر في البناء على أساس النموذج الذي تم بناؤه وتجريبه. ٣ بناءً على هذا المقترح، قامت ولاية نهر النيل بدراسة مقترح الشركة لمدة ثلاثة أشهر، وكأنه مقترح لتأسيس محطة نووية. وبعد الأشهر الثلاثة التي استغرقتها دراسة الفكرة التي طرحتها الولاية نفسها، تقدمت الولاية بمجموعة من المطالبات، فاستجابت شركة المبارك التي بدت حريصة على تقديم نفسها من خلال نموذج جديد للبناء تعمل على تطويره الآن في أوغندا والصومال وجيبوتي. وأخيرًا انتهى كل شيء، وتم توقيع العقد بعد أن جرى توثيقه في وزارة العدل بولاية نهر النيل، أمام حكومة الولاية بكاملها برئاسة نائب الوالي — وتغيب الوالي الذي كان حريصًا على حضور التوقيع لظرف ما — فحضر وزير الإسكان وكل الشخصيات المهمة في الولاية، وكان احتفالًا مشهودًا حُشد له كل المسؤولين بالولاية. كان المؤمل في حالة إكمال العقد أن يوفر المشروع ثلاثة آلاف مسكن بأسعار تقل عن أي نموذج بناء آخر بنسبة 50%، وأن يوظف أكثر من ألف شخص من مهندسين وعمال وشركات متوسطة، فينتعش السوق ويجد الناس مساكن رخيصة، ليكون النموذج مُلهمًا للولايات الأخرى. ٤ فماذا جرى بعد التوقيع؟ أمر مذهل. بسرعة اشتغلت مكنات الخراب… وفجأة اجتمع بوم الخراب من كل فج عميق: هذا يستدعي خصومة رياضية قديمة مع أيمن أبو جيبين، وذاك يشهر سلاح السياسة (حفتر وحميدتي) ليوظفه في صراعه، وثالث يحترق حسدًا لأن الشركة جاءت من خارج الولاية لتفوز بعمل توهموه ضخمًا يدر أرباحًا عظيمة. وكلهم يريد قطعة من الكعكة… حتى لو أدى ذلك إلى خراب المشروع كله. دارت الهواتف لتتصل بجهات نافذة، فبدأ التحريض ودق الطبول كلٌّ من زاويته… وللأسف قامت تلك الجهات النافذة التي عقلها في آذانها بالاستجابة الفورية، وعلى عجل اجتمعت الجهات العليا والأجهزة المختصة لتناقش الموضوع «الخطير» و«الكارثة الكبرى» التي ألَمَّت بالولاية فجأة، فأعلنت حالة طوارئ مستعجلة لا تقبل الانتظار حتى صباح الغد. جرى تداول قصير، وبسرعة البرق تمكن بوم الخراب، بعون النافذين، من إلغاء العقد بسبب مضحك؛ قالوا إن الإجراءات لم تكن سليمة… تصوروا هذه المهزلة! الإجراءات التي استغرقت ثلاثة أشهر وتمت مراجعتها من كافة النواحي القانونية والهندسية!! تُرى هل هذه حكومة تحترم نفسها؟! وكيف يمكن لمثل هؤلاء أن يديروا دولة؟ هل فعلًا هؤلاء الذين يشتغلون بالصراعات الصغيرة لهم أي مقدرات لبناء وإعمار دولة؟ الوالي الذي يرتجف من أي تدخلات أيًّا كانت قيمتها ومستواها… يخرج صباح اليوم التالي ليدعو المستثمرين إلى الاستثمار في ولايته التي لا تملك من أمرها شيئًا. من يصدق هذا الهراء؟ ومن المجنون الذي سيأتي بماله ليستثمر في ولاية نهر النيل أو حتى في السودان؟ كيف يمكن لدولة لا تحترم عقودها ولا مواثيقها أن تحظى بثقة أي مستثمر؟ القصة ليست قصة ستين منزلًا أُلغي عقدها. القصة هي أن هذه العقلية لا تبني دولة، ولا تجذب مستثمرًا، ولا تثق في عقودها. دولة تلغي عقودها في ساعات… ثم تخرج صباح اليوم التالي تدعو للاستثمار، لا تستحق أن يصدقها أحد.نواصل