تجاوزات أمريكا وشعبية البرهان

د حسن عيسى الطالب

أثار قرار إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برفض منح تأشيرة الدخول لرئيس مجلس السيادة السوداني، الفريق أول ركن، عبدالفتاح البرهان، للمشاركة في اجتماعات الدورة (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي انعقدت بتارخ 18 سبتمبر 2026م، علامات استفهام وتعجب واندهاش متعاظمة لدى الرأي العام المحلي والدولي. وقد أعلنت الأمم المتحدة التواصل المستمر مع الحكومة الأمريكية عبر مساعد الأمين العام. وأعلن أمينها العام، انطونيو قوتيريش، انزعاجه من هذا التجاوز غير القانوني وغير المبرر من الدولة المضيفة. ففضحت أمريكا نفسها بهذا القرار، بتماهيها مع التمرد الذي يقاتل الجيش الوطني الدستوري، وينتهك حقوق السودانيين، بمسمى ميليشيا الدعم السريع، ومنذ 15 أبريل 2023م، والمصنّفة منظمة إرهابية من عديد الدول، والمنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية.

فقد ذُكر أن الهدف الأمريكي من إصدار القرار هو استخدامه كأداة ضغط لإجبار الرئيس البرهان على توقيع اتفاق هدنة مع الميليشيا المتمردة، التي أوشكت عَلَى الانهيار في كافة مسارح العمليات. والواضح أن الهدف هو وقف تقدم الجيش الوطني والقوات المساندة، نحو تحرير عاصمة حكومة الميليشيا الدعيّة في نيالا، والتي لم تعترف بها أية دولة، لا في أفريقيا، ولا في أية بقعة في العالم.

إن سبب اندهاش المجتمع الدبلوماسي الدولي المتعاظم، هو التنكر الأمريكي الفاضح لميثاق الأمم المتحدة، وانتهاك بنود اتفاقية المقر من قبل إدارة ترمب، والوقوف لجانب ميليشيا منبوذة ومارقة.
ومن حيث السوابق، فإن سجل أمريكا في منع رؤساء الدول والحكومات من المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، ليس بجديد، ولا بدعا في سلوكها مع الدول الأعضاء. فقد بدأ ذلك السلوك السمج منذ الستينيات، وإبان سنِّي الحرب الباردة. إذ تم حظر حركة الرئيس الكوبي فيدل كاسترو، إبان انعقاد اجتماعات الدورة 15 للجمعية العامة عام 1960م، فتم منع كافة أعضاء وفده من المشاركة، وحظرت حركته خارج حدود منطقة مانهاتن، مقر الأمم المتحدة. وفي عام 1988م رفضت الولايات المتحدة منح تأشيرة الدخول لرئيس منظمة التحرير الفلسطينية الراحل، ياسر عرفات، فقامت الجمعية العامة بإصدار قرار بأغلبية الدول الأعضاء، يقضي بتحويل كل الجلسات للمقر الأممي البديل في جنيف.
وكذلك في عام 2013م تم منع الرئيس السوداني عمر البشير، ورئيس فنزويلا، نيكولاس مادورو، المختطف وزوجه منذ يناير 2026م من مقره الرئاسي في كراكاس، وتم سجنه في ضاحية بروكلين بنيويورك.

أما على مستوى وزراء الخارجية فقد منعت الحكومة الأمريكية في عام 2020م الإيراني محمد جواد ظريف من المشاركة في اجتماعات الدورة 75 للجمعية العامة، كما منعت نائب وزير خارجية الإتحاد الروسي، الكسندر أليموف، من المشاركة في الدورة 81 الحالية، رغم الاحتجاج والرفض الصارخين من الإتحاد الروسي.

من المعلوم أن منظمة الأمم المتحدة ترتبط مع حكومة الولايات المتحدة باتفاقية المقر SOMA لعام 1947م.
وعلى الرغم من أن القرار الأمريكي بحجب مشاركة الفريق أول البرهان، من منظور أهل السودان، قُصد منه تقديم خدمة دعائية، ودعم لوجستي للميليشيا المتمردة، وبمثابة مدد خارجي لإنعاش الانكسارات النفسية والمعنوية ميدانيا وأخلاقيا التي تعانيها حاليا الميليشيا في كافة المواقع، ومنحها فترة لتنظيم صفوفها، وتجنيد المزيد من المرتزقة، لإعادة الكرة على الجيش، إلا أنه أسهم في رفع شعبية الرئيس البرهان، والجيش الوطني، داخليا ومحليا، وعلى مستوى الإقليم، ونبّه كافة دول العالم للظلم الذي يطال أهل السودان.

إذ تكمن أهمية هذا التحول غير المنظور، في أنه برزت بعض الأصوات المعارضة للسلطة القائمة في السابق، والتي ظلت تصف الرئيس البرهان بأنه يمثل رجل أمريكا في المنطقة، وخاصة بعد مهاجمته للإسلاميين المناهضين لمجموعات الناشطين المؤيدين للميليشيا، ومعارضي الدستور الإسلامي، ودعاة العلمانية اللادينية في مجموعة تأسيس المتمردة، ومن تلقاء الغضب من اعتقال بعض المنتمين للمستنفرين، فأثبتت هذه الواقعة أن الرجل برئ من تلكم الاتهامات براءة الذئب من دم يوسف.
ومن تلقاء الأوضاع الراهنة، وإفرازات القرار الأمريكي، فقد توحّد الرأي العام الداخلي وتعزز أكثر من أي وقت مضى، بتأمين واستدامة التأييد الجامح داخليا، ودونما تخطيط مسبق ولا ترتيب.

ونظرا لهذا التحول البارق، فيتعين على مجلس السيادة انتهاز السانحة بتشكيل مجموعة أزمة على المستوى القومي، من الخبراء الوطنيين والمختصين في مجالات السياسة الخارجية، والاقتصاد، والتنمية، وإعادة الإعمار، للعمل كفريق استشاري فني، للتعامل مع وقائع وإفرازات القرار الأمريكي الجائر، والعمل على رسم خارطة طريق لمرحلة ما بعد معركة الكرامة، لحين استكمال المؤسسات التشريعية واستكمال رفع القدرات بهيكل الدولة.

ومن حيث الدبلوماسية الاحترافية، وحماية الحقوق السيادية المستحقة للسودان، وعملا بمبادئ الدبلوماسية القاصدة، فيتعين استئناف القرار الأمريكي الأحادي، من قبل البعثة الدائمة بنيويورك، لدى لجنة العلاقات مع دولة المقر CORHC واستنادا على الانتهاك الصارخ لمنطوق المادة 105 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تنصّ على تمتع هيئة الأمم المتحدة، ومندوبو الدول الأعضاء كافة، بالمزايا والإعفاءات التي تتطلبها اختصاصاتهم، وباستقلالية كاملة، ودونما أي تدخل، للقيام بمهام وظائفهم.
وتلزم الاتفاقية الدولة المضيفة (أمريكا) بتسهيل حرية الحركة، والدخول للمقر، بموجب نصوص اتفاقية المقر لعام 1947م، وبالأخص ما ورد بالفصلين 11 و 13 إذ تحظر نصوصها على السلطات الأمريكية، بصفتها تابعة للدولة المضيفة، فرض أي نوع من العوائق أمام مرور، أو دخول، أو تحرك، الأشخاص المدعوين رسمياً إلى مقر الأمم المتحدة، بغرض المشاركة في أعمالها، وخاصة بعد توجيه الدعوات إليهم بالمشاركة، وبغض النظر عن العلاقات الثنائية مع الدولة المعنية.

وكذلك يتعين سرد الحيثيات، والاستناد على السوابق، وقرارات الجمعية العامة السابقة، بشأن استنكار ورفض اجتراح أية قيود على تأشيرات الدخول لرؤساء الدول والحكومات ومندوبي الدول الأعضاء، والمطالبة بالتراجع الفوري واللامشروط عنها، والتي حظيت بموافقة غالبية الدول الأعضاء في الجمعية العامة، والتي قضت بأنه في حالة عدم امتثال دولة المقر بالقرار، فيتعين البحث عن آليات بديلة لتأمين المشاركة؛ كالانتقال للمقر البديل في جنيف، أوعبر تلاوة البيانات الافتراضية عبر الفيديو، لضمان وصول أصوات الدول الأعضاء في المنظمة الأممية.

وعلى الرغم من أن السوابق تفيد بأن إدارة ترمب ربما لا تستجيب لمثل هذه القرارات، وبالنظر لسجل انتهاكاتها المتعاظمة والمتواترة للقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، من لدن الاعتداء على إيران، وانتهاكها المادة 2(4) من الميثاق، والتي تنص على منع التهديد باستخدام القوة، أو بالتهديد ضد سلامة الدول، واستقلالها السياسي، ووحدة أراضيها، دون قرار صادر من مجلس الأمن. ومن جراء اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتزويد إسرائيل بالأسلحة الفتاكة، التي اقترفت بها جريمة الإبادة، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب في غزة؛ ومن قبيل إعلان ادارة ترمب مدعي عام وقضاة محكمة الجنايات الدولية ICC مجرمين، محظورين من دخول الأراضي الأميركية، نظرا لتوجيه المدعي العام للمحكمة تهمة الإبادة البشرية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية لنتنياهو.

بيد أنه وعلى الرغم من كل تلكم التحوطات، فإن توثيق هذه الجانحة يُعدُّ ضروريا ومفيدا لتوثيق التاريخ الدبلوماسي القومي، ومخطط ومنحنى سير علاقات السودان الثنائية مع أمريكا، وترنحها الدوري، من لدن حكومات عبدالله خليل، إبان الفترة الانتقالية، وحكومة الفريق إبراهيم عبود، وحكومتي الصادق المهدي في 1965م و1986م وإبان فترات حكومتي جعفر النميري وعمر البشير في 1969م و 1989م على التوالي.

ولذا فيتعين على السلطة القائمة، ممثلة في مجلس السيادة، ودونما أدنى تقاعس، ولا تربص، ولا تردد، إعداد خارطة طريق شاملة للتعامل المستقبلي مع الحكومة الأمريكية، وتحديد رؤية استراتيجية للتعامل المستقبلي، حفاظا على المصالح العليا للبلاد، وصونا لمكتسباتها ومواردها، واستقلالها السياسي، وسيادة شعبها، ووحدة أراضيها وتجنيبها المزالق والنزوات الشريرة.

↑
Exit mobile version