نضر الله وجه صديقي الدكتور الدرديري محمد أحمد، فقد أتحفني بِـأَرَقّ وأحلىٰ تهنئة بمناسبة عيد الفطر المبارك، فوسط سيل التهانئ التي أضاءت شاشة هاتفى ليلة العيد وقفتُ كثيراً عند الرسالة المصورة التى بعثها لي د.الدرديرى، فالمقطع لراكوبة أنيقة أرضها مفروشة بالرمل الأبيض، وأثاثها من بضع عناقريب مغطاة بملاءات بيضاء وفي زاويتها جوز من أزيار حمراء، وحوشها تحفُّ به أشجار الفاكهة والخضار (الناير) ونغمة الطمبور ترن وصوت ود النصري يصدح:
بَخْتَكْ مَعَيِّدْ في البلد
زَارع عصارِيك بالوِلِفْ .
بين الحبايب والأهل
عامل مع الأفراح حِلِفْ .
بَخْتَكْ تنوم بعد السهاد
وتعوِّض الزمن التِّلِفْ .
عاد بي الخيال إلى مراتع الصبا والشباب، فقد كان للعيد فرحة لا مثيل لها، فصوم رمضان في صيف الشمالية الغائظ لا يطيقه إلا أُولو العزم من الرجال والنساء والشباب،
وإفطاره البسيط الذي كان يسمى (شراب المويات) وذلك كنايةً على اقتصار الإفطار على الشرب دون الأكل ..
وقد أكرمنا الله بصيامه فى ذلك العمر المبكر، وكان الاستثناء الوحيد هو إفطار آخر جمعة وتسمى الجمعة اليتيمة (أبوها رمضان وقد انقضت أيامه) فستكون يتيمة من بعده حيث تحضر كل البيوت عشاء الميتين صدقة لأرواحهم، أو تسمى الحارة أو الرحمتات وكلها بمعنىً واحد وهو التوسعة، ويطوف الصغار نهارا وهم يرددون (الحَارَّة ما مَرَقَتْ) حيث يأكلون الفتة من كل بيت وتُملأ جيوب الصبيان بالبلح، وتُدهن شعور الفتيات بالكركار،
ويكون العيد قد اقترب وجلابية العيد من الدبلان أو البوبلين لمن استطاع إليه سبيلاً ومن شروط صِحة جلابية العيد أنها لا تغسل إلا بعد أن يلبسها صاحبها لعدة أيام!!
وفى صباح العيد ترتفع الأصوات بالتكبير والتهليل ويجتمع الناس في ساحة رملية بالقرب من جَبَّانة عبد الحميد توريق الحديد، وما أن يفرغ المصلون من الصلاة وسماع خطبتى العيد (المحفوظة من كتاب ابن نباتة) يتبادل الجميع التهانئ ويدخلون بيت أمي سكينة حيث القهوة أو بالأحرىٰ الجبنة التي لا يتجاوز تناولها أي شخص، وبعدها يدخل الجميع لبيت علي فضل ليأكلوا اللقمة أو العصيدة التي لن تراها مجدداً، لأن القراصة هى سيدة الطعام عندنا بلا منازع!! وتستمر مسيرة المهنئين من بيت لبيت، والصغار يتسابقون للدخول والعبارة المتبادلة هي العيد مبارك، والرد علينا وعليكم يتبارك، وكان اللهو البرئ في يوم العيد هو أن يتزحلق الصغار على الرمال في خور الدِردُوقِيةِ أو في رمال جبل البركل، وهذا هو كل شئ !! ومع ذلك فقد كان ليوم العيد طعمه الخاص، لدى القرويين من أمثالنا أو لسكان المدن الذين نأت بهم دروب الحياة عن قراهم، إذاً فلا غرو أن يغبطك غيرك على كونك مَعَيَّدْ فى البلد !!
أما العيد للمقيمين خارج السودان يبدو بلا معنى وجداني حقيقي، وظنِّى أنه عندهم هو إحياء السُنَّة و كفىٰ . وقد تذوقت طيلة سنوات إقامتي بمصر (مرارة) طعم العيد (بره السودان) لذا فإن معايدة أخي د.الدرديري قد لمست وتراً حساساً في جوانحي، وعجبت للفن الذي يحلق بنا بلا أجنحة ونطير في سماواته ليأخذنا إلى حيث يريد ونريد !!
التحية للدكتور الدرديري الذي أعجبه ذلك المقطع الخاص بمناطق الشمالية وهو ابن كردفان المكتول بهواها لكن الفن لا يعترف بالحدود ولا يعرفها، ووجدان أهل السودان قد تشكَّل وانصهر في بوتقة واحدة تُمثل (الوحدة في التَنَوُّع) مثل ألوان ريش الطاؤوس، فيطرب أهل الغرب للطمبور والدليب، ويستمتع أهل الشمال بايقاعات المردوم والنقارة، ويأكل الجميع من قراصة القمح أو من عصيدة الدخن، ويلبس الجميع الجلابية والعمة والتوب !!
ولن تزيد حرب الكرامة أهل السودان اِلَّا تماسكاً وحباً للوطن ولجيش الوطن الذى لا بديل عنه ولا نظير له في جيوش العالم ناهيك عن المحاولة البائسة لمساواته بمليشيا آل دقلو الإرهابية المجرمة، فذلك دونه المهج والأرواح والغالي والنفيس.
إن شاء الله كلنا نَعَيِّد في البلد، ونعوِّض الزمن التِلِـفْ، لنكسر القاعدة التي تقول أن (كل شئ يمكن استعواضه إلا الزمن) لأن البركة هي التي تعوض ما فات من زمن .
كل عام وأنتم بخير، وبلادنا في سلامٍ ورخاءٍ بفضل الله ثُمَّ بعزيمة جيشنا الباسل المغوار.