بين المسلمى والجنرال

المسلمي البشير الكباشي

رداً على رسالة بعثت بها إلى الصديق الأعز حسن فضل المولى حاثاً على كتابة مذكراته نشر على صفحته الرد أدناه ملفوفاً في طيات من اللطف والجمال ،فله مني جزيل الشكر ووافر الامتنان .
وحفزني ذلك بأن أعيد للأصدقاء القراء شيئاً من الذكرى عن الجنرال ..والجنرال هو اللقب الذي أطلقه على حسن أهلُ المهنة حين اكتشفوا صوراً من عبقريات الادارة عند الرجل..

حين ولجنا الجامعة عند مفتتح الثمانينات من القرن المنصرم كان حسن فضل المولى يستأذن بالانصراف عنها ،غير انه وقف طويلاً ينتظر قبل أن يأتيه الإذن ،ذلك أنّ حسن لم يكن طالباً من غمار الطلاب ،ولج الجامعة بحثاً عن علم وشهادة وقد نالهما..بل كان في الجامعة نجماً يشع من كل زواياها. كان حسن فضل المولى دفع الله ،الأمين العام لاتحاد الطلاب ،قبل أن يترأسه،.
وموقع الأمين العام للطلاب مثل موقع مدير البرامج بالتلفزيون الذي إعتلاه من بعد ذلك بأكثر من عقد من الزمان .كلا الموقعين مما تعصف حوله العواصف ،في الجامعة هو الموقع الذي يتدبر الطلاب جلّ شؤونهم عند بابه ،وفي التلفزيون هو جامع لتنوع هائل من من الأمزجة والخيوط والأخلاط والأصوات والطباع والحالات ،تحتاج عبقرية ممازجة خلف الكواليس ليخرج ذلك العرس البهيج الممتع الذي يلتذ به الناس ،ويتسمرون امام الشاشة للساعات الطوال كأنّ بهم سحرٌ مُمَغْنِط ٌبين أعينهم والشاشة..والجالس في كلا الموقعين ،اتحاد الطلاب ،وإدارة برامج التلفزيون ،كأنّما يوضع على موقد،فما أقسى قيادة الطلاب والإعلاميين .
حين التحقت بالتلفزيون القومي مديراً للبرامج السياسية في العام 1999م ،كان حسن فضل المولى مديراً للبرامج وقد اعتمر لقب (الجنرال )،صكت الكلمة مسمعي في اول عهدي بها ،ولكن تبين لي المعنى بعد حين من معايشة حسن فضل المولى إذ ألفيته مزيجاً فريداً من عبقرية القيادة الجامعة بين الذكاء ،والفطنة ،والرؤية الثاقبة ،والقدرة على التأثير والتحفيز . والذكاء الاجتماعي الذي يجمع بين أناسٍ الثابتُ في شأنهم ،التغاير والتعارض ،بل التناقض..فكم هو عسير أن توائم بين جفاف وجفاء أهل الاخبار والسياسة ورقة ولطف أهل الدراما والغناء والموسيقى .صناعة هذا التماس الناعم الأنيق بين الماء والنار في قسوة ورهق صناعة التلفزيون يشابه استخراج اللبن ما بين الدم والفرث .
ولله المثل الأعلى .
ولكنّه حسن.
وحين طلبت من الجنرال حسن كتابة مذكراته عن سنوات طوال قضاها في هذه المهنة (الحَرون )لأني حقيقة لا أعرف من السودانيين من أحاط وجمع في تلافيف خبرته هذا التنوع الهائل لكل ما تتسع له كلمة إعلام ،وسكب عرقاً غزيراً في خدمة الثقافة السودانية بكل دقائقها وعبر المليون ميل ،غير حسن فضل المولى في التلفزيون وحسين خوجلي في سياق الإعلام المستقل . فقد انصرمت أعمار أعداد كبيرة منّا تعالج صعاب المهنة ولكن في طوق تخصص واحد منها ،إمّا انه من أهل الاخبار والسياسة ،او منصرف للترفيه والفنون ، أو اتخذ من عالم الرياضة مدى لتفريغ الشغف الإعلامي .
إلا حسن فقد إكتنف مساره فيها بكدحٍ جهيدٍ لاقاه بصبرٍ وجلد ،حتى اصبح وحده ابن بجدتها الذي يحيل شقاءها ،ومرير عنتها إلى ما ينفع الناس ويسعدهم .
انتهى مشوار الجنرال إلى لجنة التمكين التي ارتأت معاقبته على هذا الإحسان الطويل في خدمة الناس.
وبمشاعر من كابد المهنة ، ظني بحسن ليلة أتاه يقين الإقالة بدعوى الانتماء إلى التيار الإسلامي ،انه نام تلك الليلة بنفْس أسفرت عن رضىً عميق ،ليس فقط حين ينظر إلى الوراء ليرى يانع الثمار ، وما الإنسان إلا ذكرى لمن يأتِ بعده ،يقولون مرَّ وهذا الأثر .
ولكن نام غريراً ليلته لما انحطت عن كاهله من أحمالٍ تنوء بها الجبال.
والحقيقة فإنّ حسن فضل المولى في موقعه الذي وضع فيه أنصع برهان على عبقرية الإسلاميين فمن غير حسن لمثل هذا الموقع ،فقد أمسك بجمرته حتى انطفأت ،وغدت رماداً في كفه.
يا أخانا حسن..
سنوات عشتموها أينعت ..
حُفَّلاً بالخير والبِر الحقيق ..
ومضيتم وتركتم أثراً ..
نبشُ إسماعيل في القفر السحيق .
أو كما قال صلاح.
كلُ جيلٍ بعده جيل،ويأتي بعد جيل .
فأكتب مذكراتك.

Exit mobile version