بين “الأسد المريض” و”المستعجل”: قراءة ساخرة في المبادرة الأمريكية لوقف حرب السودان

الصادق البديري

في مشهد يذكرنا بـ “مسلسلات الخيال السياسي”، تطلق واشنطن مبادرة جديدة لوقف الحرب في السودان، بينما الإمارات تلوّح بورقة “الشرعية الإنسانية”.
لكن السؤال الأهم: هل هذه المرة مختلفة؟ أم أننا أمام نسخة جديدة من لعبة “الأسد المريض” التي تكرر فشلها في ليبيا واليمن، وتوقيع اتفاقيات “مؤقتة” تنهار قبل أن يجف حبر الصحف؟
يُطلق الوسطاء الدوليون على المبادرة الأمريكية الأخيرة لوقف الحرب في السودان اسم “الفرصة الأخيرة”، بينما يسميها السودانيون ساخرين بـ “فرصة الموت البطيء”، مستذكرين مقولة الكاتب البريطاني جورج أورويل: “في زمن الخداع، قول الحقيقة هو عمل ثوري”. لكن واشنطن، وكعادتها في ملفات الشرق الأوسط، تُصرّ على تقديم “حلول سريعة” لمشاكل عمرها عقود.

وكشفت مصادر دبلوماسية أن المقترح الأمريكي ينص على وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا، مع تشكيل حكومة تكنوقراط، وآلية لمراقبة وقف تدفق الأسلحة.
المشكلة؟ الأسلحة التي تتدفق إلى طرفي النزاع ليست “سرية” بل تُشحن عبر مطارات متفق عليها دوليًا، وكأن العالم يكتشف فجأة أن السودان يمتلك “أكبر مزرعة أسلحة في العالم”.
أما الإمارات، الشريك الإقليمي المحوري في المنطقة، فتبدو كمن يلعب “ورقة الضد” بمهارة، ففي الوقت الذي تعلن فيه أبوظبي دعمها للجهود الإنسانية، تواصل تقارير الأمم المتحدة وثائقها حول تدفق الأسلحة عبر مطاراتها إلى الأطراف المتحاربة، وكأن الإمارات تتبع نظرية “القنبلة الموقوتة” في سياستها الخارجية: تضع إشارات مرور حمراء، ثم تطلق صافرة البداية للحرب!
ويقارن محللون المقترح الأمريكي الحالي باتفاقية “جدة 2023″، التي وُصفت بأنها “خطوة تاريخية”، لكنها تحولت إلى قطعة ورق لا تستخدم حتى لتغليف الحلوى.
كما يستعيدون ذكرى اتفاق “إعادة الانتشار” في ليبيا، الذي وُقع في 2020 وكان يتضمن خطة لخروج المرتزقة، لكنه لم يخرج من مخازن النسيان إلا ليؤكد أن “الارتزاق بالسلام” أصبح مهنة عالمية.
وفي السياق ذاته، تشير تقارير رويترز إلى أن المقترح الأمريكي الجديد يعيد إحياء “فكرة المنطقة الآمنة” التي فشلت في اليمن وأفغانستان، وكأن واشنطن تجري تجاربها على دول “المشكلات المستعصية”، وكما علّق أحد النشطاء السودانيين بسخرية: “نحن لا نريد منطقة آمنة، بل نريد حلًا آمنًا لمشكلتنا”.
وبينما تصر الإمارات على أنها “جزء من الحل”، يذكر مراقبون أن أبوظبي كانت قبل أشهر ترفض تحميل أي طرف مسؤولية إطالة أمد الحرب، وتعتبر أن “الحل يجب أن يكون سودانيًا-سودانيًا”، والسؤال البديهي: كيف يكون الحل سودانيًا والسلاح إماراتيًا؟!
وتُظهر التجارب الدولية السابقة أن مقترحات السلام التي تقدمها القوى الكبرى غالبًا ما تكون أشبه بـ “وصفات طبية قديمة”، حيث يُعاد تدويرها بتغيير طفيف في العبوة.
ففي السودان، تعيد المبادرة الأمريكية إنتاج أخطاء ليبيا واليمن: الإصرار على “حكومة توافقية” دون معالجة جذور الصراع، والاكتفاء بوقف إطلاق نار هش ينهار عند أول خرق.

كما تعكس التصريحات الأخيرة للمبعوث الأمريكي، توم بيريللو، والتي نقلتها وكالة أسوشييتد برس، إصرارًا واشنطن على أن “الوقت حان لإنهاء الحرب”، وكأن السودانيين لم يكونوا ينتظرون هذه البصيرة “أم حمد”، ويومها، علّق ناشط سوداني ساخرًا: “نحن نحارب منذ عامين، وفجأة اكتشفوا أننا نعاني!”.
في لعبة السياسة الدولية، يبقى السودان “واحة” للفشل الدبلوماسي، حيث تتنافس القوى الكبرى على تقديم “مبادرات سلام” تفشل قبل أن تولد.
ويبقى السؤال الأهم: هل هذه المرة مختلفة؟ أم أننا سنشاهد فيلمًا جديدًا من سلسلة “اتفاقيات الشرق الأوسط” التي تبدأ بعناوين براقة وتنتهي بمشاهد دمار؟

Exit mobile version