بوم الخراب ضد الاستثمار (2/2)

فيما ارى
عادل الباز
١
ما إن نُشرت الحلقة الأولى من هذا المقال حتى تدفقت التعليقات من كل حدب وصوب، ولكن استوقفتني ملاحظة أعتقد أنها في محلها تماماً، وهي أنني كنت غاضباً ومنفعلاً في نقدي لحكومة الولاية. وهذا صحيح، وسبب انفعالي أنني كنت قد لمّمت الصديق أيمن أبوجيبين أكثر من مرة، إذ إنه بعد صدمته الأولى التي تلقّاها بعد إنهاء عقد شركة العسجد مع بنك السودان بتلك الطريقة العجيبة التي تؤكد أن الحكومة لا تلتزم بعقودها، خرج أبوجيبين من السوق السوداني وذهب للاستثمار في جيبوتي والصومال ويوغندا، وكنت أقول له إنه لا يمكن أن يسعى لإعمار أوطان الآخرين ووطنه في أشد أوقاته حاجة للإعمار، ودعوته أكثر من مرة للعودة للاستثمار في وطنه وأن يحتمل الأذى الذي يصيبه، وأنا أعرف حبه للسودان. وحين ظهرت هذه الفرصة الاستثمارية عرفت أن تقدم بعرضه لحكومة ولاية نهر النيل وجرى توقيع عقد معه وعندما علمت أن هذا العقد قد تم إلغاؤه بتلك الطريقة العشوائية استغربت وصدق توقع أبوجيبين الذي كان يقول لي إنهم لن يدعوني أعمل في السودان.
2
السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا كان يريد هؤلاء من إلغاء هذا العقد تحديداً؟ هل كان المشروع فيه ضرر على الولاية؟ الحقائق التي نُشرت تقول العكس تماماً. فالاتفاق الذي وقّعته شركة المبارك للإنشاءات والتطوير العقاري مع صندوق الإسكان بالولاية كان لتنفيذ ستين وحدة سكنية بحي المعمورة في مدينة عطبرة، بنظام الفلل متعددة الطوابق، وباستخدام تقنيات البناء مسبق التصنيع التي تقلل التكلفة بما يتجاوز الخمسين بالمائة مقارنة بالبناء التقليدي. أي أن الولاية كانت ستحصل على إسكان حديث بسعر يناسب المواطن المنهوك بعد الحرب، من مستثمر سوداني يملك التقنية والخبرة والمال، دون أن تدفع الولاية جنيهاً واحداً من خزينتها الفارغة. فأي عقل يلغي مثل هذه الصفقة؟ لا عقل، بل مصلحة، وربما غرض في النفس لا نعرفه بعد.
والمفارقة أن هذا الإلغاء جاء في نفس الفترة التي كانت فيها الولاية تتحدث عن ملتقاها الاستثماري وتدعو الشركات الوطنية والأجنبية للاستثمار في نهر النيل، وتتحدث الوزارات عن الترويج للفرص الاستثمارية داخلياً وخارجياً. فكيف يستقيم أن تنادي بالمستثمرين من فوق المنصات، وتطرد المستثمر الذي عاد إليك من غربته لأنك أنت من طرده أولاً من الخرطوم؟ هذا ازدواج خطير: كلام للإعلام والتقارير، وقرارات أخرى تُتخذ في الظل بمعزل عن أي منطق اقتصادي.
وهنا لا بد من التذكير بأن ما جرى في نهر النيل ليس قصة شركة المبارك وحدها، بل هو الحلقة الثانية في مسلسل واحد؛ فقد سبقته صدمة العسجد التي أخرجت الرجل من السوق السوداني أصلاً كما ذكرت في الحلقة الأولى. والقصة التي ستُحكى في مجالس المستثمرين ومجموعاتهم بعد اليوم هي أن السودان بلد يوقّع ولا يلتزم، يرحّب في النهار ويطرد في المساء.
بدالي من ردود الأفعال في وسائل التواصل الاجتماعي على الحلقة الأولى أن هناك كثيراً من القراء بدأ يستوعب خطورة مؤامرات تحالف الخراب، وذلك دليل وعي متنامٍ، لأن الأوضاع الاقتصادية لم تعد تحتمل هذه الألاعيب والتدخلات، إذ إنها تفعل شيئاً واحداً: تُنشئ مناخاً سيئاً للاستثمار. فكل المستثمرين يراقبون الآن ما يجري في السودان ويدرسون فرص الاستثمار في سودان ما بعد الحرب، فإذا فقدوا الثقة في القانون وفي الدولة التي تحميهم من تغولات السلطة السياسية فلا شيء يمكن أن يجذبهم للاستثمار في السودان، ووقتها ستكون ثلة الخراب قد نجحت في تدمير ما تبقى من السودان دون أن تكسب شيئاً.
وأقول لتحالف الخراب: أنتم لا تضرون أيمن أبوجيبين بشيء، فالرجل خسر وطنه مرة فتعلم كيف يبني في غيره، وجيبه لم يعد مرهوناً بأسواقكم. ولكنكم تضرون بهذه الأسر التي تنتظر مسكناً في عطبرة، وتضرون بكل عامل كان سيجد رزقه في ذلك الموقع، وتضرون بكل مستثمر كان يفكر في القدوم إلى السودان ثم عدل عن رأيه. الضرر كله يقع على السودان وعلى أهل السودان؛ أنتم تقذفون القنبلة من بعيد، والشظايا كلها تصيب هذا الوطن المنهك.
الخراب لا يُبنى عليه اقتصاد، والكرسي الذي يُحمى بتخريب الاستثمار سرعان ما ينهار فوق من يجلس عليه، فالولايات التي لا تحترم عقودها لا تحترمها الشركات، والدولة التي تخيف مستثمريها لا يبقى في خزينتها ما تخيف به أحداً. وبوم الخراب الذي يرمونه اليوم سيصل صداها إليهم غداً، حين يقفون أمام مواطن يسألهم عن بيت لم يُبنى، وعن وظيفة لم تُخلق، وعن مستثمر ولّى هارباً ولم يعد.
3
إن كنا صادقين في حديثنا عن إعمار سودان ما بعد الحرب، فليبدأ الإعمار من هنا: من احترام العقد الموقّع، ومن رد الاعتبار لمن ظُلم بقرار عشوائي، ومن فصل واضح بين المصلحة العامة والأحقاد الشخصية. أطالب حكومة ولاية نهر النيل أن تراجع هذا القرار علناً وأن تشرح للناس لماذا أُلغي عقد شركة المبارك، وأطالب كل من بيده قرار في هذا البلد أن يتذكر أن السمعة تُبنى في سنين وتُهدم بقرار واحد. أما أيمن أبوجيبين فقد قال كلمته الأخيرة: “لن يدعونني أعمل في السودان”. وكم يخطئ من يظن أن خسارته هي خسارة السودان؛ بل السودان هو الخاسر الأكبر، والوطن الذي يطرد أبناءه المعمّرين لا يستحق أن يُلام أبناؤه حين يبنون أوطان غيرهم.

—

↑
Exit mobile version