رأي

بمناسبة مرور 70 عاماً على إنشاء العلاقات الدبلوماسية بين السودان وروسيا

السفير محمد الغزالي سراج

يصادف اليوم الخامس من يناير 2026 الذكري السبعين لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين السودان والاتحاد السوفيتي سابقاً وروسيا حالياً.

إن إنشاء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، بعد خمس أيام فقط من نيل السودان استقلاله، يشير إلى دلالات عميقة وهامة في أهمية البلدين لبعضهما، حيث توحدت رؤية البلدين في أهمية دعم حركات التحرر الأفريقية بحكم أن السودان كان أول دولة في أفريقيا جنوب الصحراء تنال استقلالها. كما أن الاتحاد السوفيتي وروسيا لاحقا من جهة، والسودان من جهة أخرى يتمتعان بموقع جيوسياسي هام في خريطة العالم السياسية والاقتصادية، ويتقاسمان رؤية سياسية واقتصادية مشتركة تستند علي مبادئ راسخة في العلاقات بين الدول. أسهمت هذه الميزات في المحافظة علي علاقات متطورة في اغلب الاحيان بمقدرة عالية على تجاوز التغيرات والاستقطابات الاقليمية والدولية، مما يعتبر محل إشادة وتقدير وذلك بفضل حكمة ودراية قيادتي البلدين.

بعد خمس سنوات من إنشاء العلاقات الدبلوماسية، تبادل الدولتان زيارات رفيعة المستوى حيث زار الرئيس السوداني حينها، إبراهيم عبود ، الاتحاد السوفيتي في يوليو 1961، وزار رئيس الاتحاد السوفيتي، ليونيد بريجنيف السودان في نوفمبر1961م. تميزت علاقات البلدين خلال الفترة التي تلت استقلال السودان بالتعاون اللصيق وكانت الاسهامات الروسية في جهود التنمية الاقتصادية السودانية واضحة حيث تم التوقيع على 7 اتفاقيات، احدثت طفرة اقتصادية كبيرة، شملت عدد من المجالات الاقتصادية والتجارية والثقافية والعلمية وخدمات الطيران. تم تنفيذ العديد من المشاريع التنموية مثل صومعتي الغلال في مدينتي القضارف وبورتسودان، مصانع تعليب الفاكهة في واو وكريمة، مصنع تجفيف البصل في كسلا، ومصنع البان بابنوسة، مشروع المسح الجيوفيزيائي لمنطقة البحر الاحمر، معمل الابحاث البيطرية ومستشفى سوبا كما وجدت المنتجات السودانية طريقها للسوق الروسي بتصدير الصمغ العربي والسمسم. ورافق ذلك تطوراً في العلاقات السياسية والعسكرية حيث ان منشأ العتاد العسكري السوداني روسي في الاصل.

ظل البلدان يتبادلان الدعم السياسي في المحافل الدولية وذلك نتاج مقاربة الرؤية السياسية للبلدين حيث يجد السودان في المبادئ الهادية للسياسية الخارجية الروسية منطلقاً مهماً وعادلاً في إنشاء وقيام علاقات ودية وعلاقات صداقة مثل مبادئ السيادة المتساوية وعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول وتبادل المنافع علي اساس المصلحة المشتركة. هذه الرؤية اكسبت العلاقات حيوية واستدامة وحافز لتطويرها وتعزيزها في كافة المجالات علي مختلف الحقب.

كانت المواقف الروسية منذ اندلاع الأزمة في السودان في أبريل 2023 شاهداً على علاقات الصداقة المتينة التي تربط البلدين كما يجسد المثل الروسي “الصديق يدخل عندما يخرج بقية العالم”. كانت ولا تزال المواقف الروسية بارزة في دعم السودان خلال أزمته حيث كانت أول زيارة لمسئول رفيع للسودان عقب اندلاع الحرب هي زيارة مبعوث الرئيس الروسي للشرق الأوسط وأفريقيا، نائب وزير الخارجية السابق ميخائيل بقدانوف في ابريل 2024. أعلنت روسيا من خلال الزيارة مواقف واضحة بينة في دعم شرعية السلطة في السودان ومؤسساتها القائمة. لم تحد موسكو عن تلك السياسية وظلت خطاباتها السياسية في المنابر الدولية مؤيدة للسودان وسيادته، ومثّل موقفها باستخدام حق النقض في مجلس الأمن التابع للامم المتحدة في نوفمبر 2024 قمة التطور في العلاقات بين البلدين، حيث لاول مرة يتم فيها استخدام حق النقض في قضية متعلقة بالشأن السوداني منذ إنشاء الأمم المتحدة. جنّب هذا الموقف السودان مآلات التدخلات الخارجية وشكل عاصماً ضد تنفيذ الاجندة التي تستهدف سيادة السودان ووحدته الترابية. توالت المواقف الروسية الايجابية بانعقاد أول لجنة وزارية للسودان بعد الحرب في سبتمبر 2025، والتي خرجت ببروتوكول تعاون اقتصادي وتجاري عبر عن ارادة متبادلة للبلدين لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية. رسم البروتوكول بوضوح خارطة للتطوير الاقتصادي وتبادل المصالح القائم علي المنفعة المشتركة في العديد من القطاعات الهامة والحيوية اسهاماً في جهود إعادة الاعمار للسودان بعد الحرب التي طالته بالخراب والدمار على أيدى المليشيا المتمردة والارهابية. مما يتيح لروسيا مكانة متقدمة، كما كانت ابان الفترة التي تلت الاستقلال، في جهود التنمية الاقتصادية الشاملة بالبلاد.

ظل السودان شريكاً فاعلاً في أطر الدبلوماسية متعددة الأطراف خاصة من خلال اليات الشراكات الروسية الافريقية حيث شارك فخامة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في أعمال القمة الروسية الافريقية الاولي في العام 2020 ومثل السودان في القمة الثانية في العام 2023 السيد/ مالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، وانتظمت مشاركة السودان في الاجتماعين الوزاريين لمنتدى الشراكة الروسية الافريقية والذي انعقد اخرها بالقاهرة في ديسمبر الماضي. يقف ذلك دلالة على إيمان السودان الراسخ بالدور الروسي في تعزيز الشراكات وفي بناء العلاقات على أسسس سليمة قائمة علي عدالة تتشارك فيها الاسرة الدولية بصورة متساوية لبناء عالم متعدد الأقطاب تتبلور فيه خيارات الدول في بناء علاقاتها الاقليمية والدولية بصورة تحفظ كرامتها وهيبتها وتصون ثقافتها ومعتقداتها.

إن انتظام انعقاد اليات التعاون الثنائي بين البلدين يقف أيضاً شاهداً علي الارادة المشتركة لتطوير هذه العلاقة، حيث ظلت تنعقد بصورة دورية اليات التشاور السياسي واللجنة الوزارية السودانية الروسية المشتركة للتجارة والتعاون الاقتصادي واللجان الاخرى المتخصصة والزيارات الثنائية المتبادلة رفيعة المستوى التي جرت مؤخرا ومنها زيارة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف للسودان في فبراير 2023، وزيارة وزير الخارجية السوداني الاسبق د. علي يوسف في فبراير 2025 وعدد من الزيارات لرجال الاعمال في البلدين والوزراء وكان اخرها زيارة وزيري المالية والطاقة في اكتوبر الماضي ولقائهما بنائب رئيس الوزراء الكساندر نوفاك

يظل التعاون الثقافي من العلامات البارزة في العلاقات الثنائية بين البلدين حيث تلقّى الالاف من الطلاب السودانيين دراساتهم الجامعية وفوق الجامعية في روسيا ابان حقبة الاتحاد السوفيتي. ولا تزال روسيا تقدم المنح الدراسية السنوية للسودان في مختلف المجالات والتي تبلغ 100 منحة سنوية ينهل من خلالها طلاب العلم من المعرفة الروسية ليسهموا في بناء الوطن. تعمل ايضا بعثتان اثريتان من دولة روسيا في السودان وقد حققتا نجاحات كبيرة في سبر غور وكنه الحضارة السودانية التي تمتد لالاف السنين، كما ويعتبر  إنشاء مركز لدراسة حضارة السودان في الجامعة الروسية للعلوم الانسانية أحد معالم التطور الثقافي بين البلدين حيث يعتبر أول مركز متخصص لدراسة الحضارة السودانية بمعزل عن الحضارات الأخرى. وتدير المركز البروفسور اليانورا كورميشيفا، صديقة السودان، وهي أيضا رئيسة البعثة الاثرية الروسية للسودان والتي عادت للتو من رحلة عمل للسودان وتتأهب وفريقها للعودة مرة اخرى.

يتمتع البلدان بعلاقات صداقة تاريخية متينة تستند علي رؤية ثاقبة وإرادة سياسية متوفرة وتدعمها الامكانيات الاقتصادية الكامنة للبلدين، وتستشرف بذلك مستقبلا واعداً للمزيد من التطور والنماء والازدهار في ظل قطبية متعددة سماتها المساواة في السيادة وعدم التدخل في الشئون الداخلية وبناء علاقات متكافئة قائمة علي المصلحة المشتركة. تظل هذه المبادئ والتي تستند عليها روسيا في علاقاتها الخارجية سنداً وعضداً للسودان في مواجهة التحديات الوجودية لكيانه كدولة، ولانسانه في كرامته وكينونته والذي اثبت صموده واستبساله ومقدرته على تجاوز هذه المنعطفات الخطيرة بمساندة الأصدقاء وأولهم روسيا الاتحادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى