بكى السودانيون سمو الأمير الوالد… السَّنَدُ الذي لن ينساه الأَوْفِيَاءُ (3/3)
Mazin
فيما أرى عادل الباز
جسور التواصل: طريق كسلا–اللفة والربط القاري إذا كان حديثنا في الجزء السابق قد استعرض المرتكزات الاستراتيجية والدعم الاقتصادي الذي قدمته دولة قطر بقيادة الأمير الوالد، فإننا في هذا الجزء الثالث ننتقل لرصد الشواهد الحية والمشروعات الملموسة على أرض الواقع. سننتقل من فضاء السياسة والاقتصاد إلى تفاصيل البناء والتنمية؛ لنرى كيف امتدت يد سموه لتطال البنى التحتية، وتدعم المؤسسات التعليمية، وتصون الإرث الحضاري، في محطات إنسانية تركت بصمات لا تُمحى في ذاكرة السودان وأهله.
ومن بين الشواهد الباقية على حضور الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في السودان، طريق كسلا–اللفة الذي يمتد لنحو ستة وعشرين كيلومترًا ويربط الأراضي السودانية بإريتريا. ففي السادس والعشرين من أكتوبر عام 2011، وقف الأمير الوالد إلى جانب الرئيس السوداني عمر البشير والرئيس الإريتري أسياس أفورقي لافتتاح الطريق القاري، الذي أُنجز بتمويل قطري بلغت قيمته نحو تسعة ملايين دولار.
طاقة التنمية: مشروع كهرباء أبو حمد وتأمين الغذاء لم يقتصر الحضور القطري في السودان على الاستثمارات الزراعية وحدها، بل تجذرت أياديه البيضاء لتمتد إلى إنشاء البنية التحتية التي تضمن نجاح تلك الاستثمارات واستدامتها. وتجسد ذلك بوضوح في مشروع كهرباء أبو حمد، الذي ارتبط ارتباطًا وثيقًا بمشروع «حصاد الغذائية» أحد أكبر المشروعات الزراعية القطرية خارج البلاد.
فمع انطلاق مشروع حصاد على مساحة تبلغ نحو 275 ألف فدان في ولاية نهر النيل، برزت الحاجة الملحة إلى مصدر مستقر للطاقة يواكب خطط التوسع الزراعي والصناعي. ومن هنا جاء قرار تنفيذ مشروع خط نقل الكهرباء عطبرة–أبو حمد، باستثمار بلغت قيمته نحو 218 مليون دولار، ليشكل نقلة نوعية في المنطقة.
ولم يكن المشروع موجهًا لخدمة الاستثمار الزراعي القطري فحسب، بل تحول إلى مشروع تنموي شامل، إذ وفر الكهرباء لمدن وقرى أبو حمد، وأسهم في دعم الأنشطة الزراعية والتعدينية والصناعية، وفتح آفاقًا جديدة للاستثمار والإنتاج في واحدة من أكثر مناطق السودان وعدًا.
رعاية الإنسان: المدرسة السودانية في الدوحة كصرح تعليمي لم يتوقف عطاء سمو الأمير الوالد للسودانيين داخل السودان، بل امتدت عنايته لتشمل أبناء الجالية السودانية في دولة قطر نفسها. فعلى يديه وبفضله تأسست المدرسة السودانية في قطر عام 1998 كمؤسسة تعليمية غير ربحية تخدم أبناء الجالية السودانية، وتُدرّس المنهج السوداني. وخلال عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حظيت المدرسة بدعم رسمي من الدولة، حيث خصص سمو الأمير حمد أرضًا لإقامة مجمعها التعليمي، وقدمت لها الحكومة القطرية التسهيلات اللازمة لإنشاء مبانٍ حديثة تستوعب الزيادة المستمرة في أعداد الطلاب، وهو ما مكّن المدرسة من التحول من مبانٍ مستأجرة إلى صرح تعليمي متكامل يخدم آلاف الأسر السودانية المقيمة في قطر. ولذلك، ينظر كثير من أبناء الجالية السودانية إلى المدرسة السودانية في الدوحة باعتبارها واحدة من أهم ثمار العلاقات السودانية القطرية بدعم واحتضان.
ولم تكن علاقة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بالسودان محصورة في السياسة أو الوساطة أو الاستثمار، بل اتسعت لتشمل الإنسان والأرض والتاريخ، مؤكدة على عمق الروابط الأخوية.
فعلى الحدود الشرقية للسودان، افتتح الأمير الوالد في أكتوبر 2011 طريق كسلا–اللفة الذي يربط السودان بإريتريا، وهو مشروع مولته دولة قطر ليكون أكثر من مجرد طريق عابر للحدود؛ فقد جاء تتويجًا لجهود المصالحة بين الخرطوم وأسمرة، وجسرًا للتجارة والتواصل بين الشعبين، وتجسيدًا لفلسفة قطر في تحويل السلام إلى تنمية ملموسة.
صون الإرث الحضاري: المشروع القطري–السوداني للآثار إسهام الأمير الوالد تجاوز الحاضر إلى الماضي أيضًا؛ إلى حضارات السودان العريقة وآثاره الخالدة. فمن خلال المشروع القطري–السوداني للآثار، الذي يعد من أكبر مبادرات حماية التراث في إفريقيا والعالم العربي، أسهمت قطر في ترميم أهرامات البجراوية، وتأهيل جبل البركل، والنقعة، والمصورات الصفراء، ودعم عشرات البعثات الأثرية السودانية والدولية، وتدريب الكوادر الوطنية، وتطوير المتاحف والبنية التحتية للمواقع التاريخية، ليظل هذا الإرث شامخاً للأجيال القادمة.
الوفاء والعرفان: زيارة العزاء التاريخية ومن بين المواقف التي بقيت راسخة في ذاكرة السودانيين، زيارة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وسمو الشيخة موزا بنت ناصر إلى الخرطوم في نوفمبر 2018 لتقديم واجب العزاء في وفاة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، الرئيس السوداني الأسبق.
لم تكن الزيارة مدرجة ضمن برنامج رسمي، ولم ترتبط بقمة سياسية أو اتفاقية اقتصادية، وإنما جاءت تعبيرًا صادقًا عن الوفاء لرجل ترك بصمة في السودان والعالم الإسلامي، وحظي بتقدير خاص في دولة قطر. فقد حرص الأمير الوالد والشيخة موزا على التوجه إلى منزل الفقيد، وتقديم العزاء لأفراد أسرته، في لفتة إنسانية نادرة عكست عمق العلاقات الشخصية التي جمعت القيادة القطرية بالمشير سوار الذهب.
وقد حملت الزيارة رسالة تتجاوز مراسم العزاء، مفادها أن العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالمصالح وحدها، وإنما أيضًا بالوفاء والعرفان وحفظ الجميل. فقد عرف القطريون المشير سوار الذهب رجلًا زاهدًا ونزيهًا، كرس سنوات من حياته للعمل الإنساني والخيري في العالم الإسلامي، كما احتفظ بمكانة خاصة في وجدان القيادة القطرية.
ولذلك استقبل السودانيون تلك الزيارة بتقدير بالغ، وعدّوها موقفًا إنسانيًا يجسد ما عُرف عن الأمير الوالد والشيخة موزا من وفاء لأصدقائهم وشركائهم، وحرصهما على مشاركة السودانيين أفراحهم وأتراحهم. ولم يكن مشهد دخولهما منزل الفقيد مجرد أداء لواجب اجتماعي، بل كان تعبيرًا عن علاقة امتدت لعقود بين قطر والسودان، قوامها الاحترام المتبادل، والوفاء للرجال الذين خدموا أوطانهم وأمتهم بإخلاص.
إرث خالد: روابط الإخاء والتنمية المستدامة إن رحلة عطاء الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وأياديه البيضاء التي امتدت للسودانيين طول عهده، لم تكن مجرد سلسلة من المواقف الدبلوماسية أو المشروعات التنموية، بل كانت تجسيدًا حيًا لروابط الإخاء والوفاء التي تجاوزت حدود المصالح السياسية إلى عمق الوجدان الشعبي. لقد نجحت قطر بفضله وكرمه وحكمته في أن تكون السند الثابت للسودان في أحلك الظروف، محولة الدعم إلى تنمية مستدامة، والوساطة إلى جسور للتواصل، والوفاء إلى نهج راسخ في التعامل مع القادة والشعوب على حد سواء. وإن هذا الإرث التنموي والإنساني، الذي يمتد من البنى التحتية إلى حماية التراث الإنساني، سيظل شاهدًا خالدًا على علاقة فريدة بنيت على أسس متينة من الصدق والمحبة، ستظل تذكرها الأجيال السودانية بكل تقدير وعرفان. وسيظل دور سمو الأمير وشخصيته نبراسًا لذكرى جميلة ومواقف لن ينساها السودانيون ما دام للتاريخ ذاكرة وما دام بالنيل ماء. رحمة الله على سمو الأمير حبيب السودانيين وأدام الله تلك المحبة بين القطريين والسودانيين في عهد ابنه سمو الأمير تميم وهو خير خلف لخير سلف.