تقرير – الأحداث
قد تبدو الحادثة عادية شاب صعد إلى برج كهرباء بالحارة العاشرة بمحلية كرري وهدد بالانتحار وطالب بحضور الوالي وفي نهاية الأمر صعد له أفراد بينهم شرطي وانزلوه إلى الأرض لكن على أرض الواقع هناك تغيرات واضحة في بنية المجتمع اذ أصبح المجتمع مطبعاُ مع أمور كان يرفضها في وقت سابق وأصبحت أمور مرفوضة أمرا عادياً وأموراً عادية مستنكرة .. بالعودة إلى ما فعله الشاب الذي صعد إلى برج كهرباء ضغط عالي وهدد بالسقوط من هناك والانتحار .. جرت مفاوضات بينه وبين مواطنين حثوه على النزول وفي النهاية صعد بعضهم اليه بعد أن تيقنوا ان الأمر بمجمله مناورة في الغالب وبالفعل استطاعوا النزول معه لكن بطبيعة الحال الامر أدى لانقطاع الكهرباء عن المنطقة حوالي العاشرة مساء لضمان الان يصاب بصعقة كهربائية لكن التوقيت كان صعباً اذ اعتقد الجميع ان الكهرباء لن تعود الا صباحاً في حال كانت عطل ما أصاب الشبكة وهي اعطال كثيراً ما تصيب الشبكة المهترئة وتسلم المواطنين لاسراب البعوض .. المهم أن الشاب صعد وقدم مطالب أهمها استدعاء الوالي والفتاة التي يرغب بالزواج منها وحاجته إلى مبلغ مالي لتستمر حياته وغيرها من الامور والغريب ان تعليقات اعداد كبيرة من الذين تواجدوا في المكان كانت مساندة لخطوته بالانتحار اذ كان بعض الشباب يهتفون له بتنفيذها فيما تذمر البعض من خطوته بالقول صراحة (مالقيت غير الكهرباء) و( سيتسبب لنا في مشكلة كهرباء) مايعني ان حياته لا تهمهم في كل الاحوال لذا سالت الباحثة الاجتماعية سماح يوسف عن الامر فابدت انزعاجها لان الامر يأتي بعد حادثة محاولة انتحار احدهم بالقفز من كوبري الحلفايا وحوادث اخرى بينها قتل احدهم لزوجة شقيقة بعد مناقشات مع والده خلال العيد ومقتل اسرة كاملة على يد احد أقربائها، وأكدت أن تشوهات عميقة طالت المجتمع الذي تعرض لصدمة الحرب، واضافت ( ليست لدي معلومات كاملة عن حالة الشاب الذي صعد إلى برج الكهرباء لكن الضغوطات العالية التي يعيشها المجتمع جعلت مثل هذه الأمور تبرز إلى السطح بصورة متصاعدة ومتسارعة هي ليست مجرد فعل فردي كما يبدو للناس بل ماظهر من جبل الجليد من أزمات المجتمع العميقة)، وتابعت (أنظر حولك ودقق فيما يحدث الناس اصبحوا يتعاملون مع امور كان مجتمعنا يرفضها بصورة عادية فانت الان تجد من يتعاطى البنقو في الشارع العام وتجد من يبرر له هذه الامور ومن يدافع عنه بل انا استمعت لمسؤول وهو يقول ان البنقو لم يعد ما يشغلنا ولم نعد نطارد متعاطيه بل الشاشمندي والايس وهذا يجعل المخدرات متاحة ومبرر لها ثم اذهب الى الحفلات والى الكافيهات التي انتشرت هنا وهناك لتكتشف ان الامور كلها اصبحت على الطاولة)، وقالت( لم تعد هناك اسرار كل ما حرصنا على تجنيب مجتمعاتنا اشكالاته اصبح عادياً ومبرراً وهناك من يدافع عنه واول هذه الامور المخدرات ربما لانني اعمل على الملف وأشاهد ما يحدث في الملف وكيف ان فتيات صغار في السن اصبحن يتعاطين المخدرات وهذا ليس الخبر لان الخبر هو ان اسرهن تعلم وتتعامل مع الموضوع كامر عادي).
ويقول بشير سعد المعروف بـ (السمندي) وهو تاجر بسوق ام درمان في مكان كان يمثل تجمعاً كبيراً لـ (الشماسة) ومتعاطي المخدرات ان اغلب هؤلاء هلكوا في الحرب لان معظمهم انضم للمليشيا وشارك في المعارك ومن نجا غادر الخرطوم لكننا الان امام مجانين جدد يمكنك تسميتهم بمجانين ما بعد الحرب وهم ضحايا هذه الحرب ويحتاجون إلى التفاتة من اسرهم ومن الدولة لان اعدادهم ليست قليلة ومعظمهم هائم على وجهه في الطرقات ولا يعرف من هو ولا أين اهله ولا مكان سكنه، وأضاف (بعضهم يقدم افادات مقتضبة واحياناً متناقضة مثل مكان اهله احيانا يخبرك انهم في القاهرة ثم يعود مرة اخرى ليخبرك انهم في مدينة سنجة هؤلاء موجودون وهناك من تعتريهم نوبات لا تعرف ماهيتها مثل الرجل الذي يصر على عدم ارتداء ملابس ويتجول عارياً رافضاً اي محاولات لجعله يرتدي ملابس رغم ان الرجل كان موظف دولة قبل الحرب اعتقلته المليشيا لعام ونصف ثم اطلقت سراحه كما يقول من يعرفونه وهو الان هائم على وجهه في الخرطوم واهله كما يقال خارج البلاد هذا ملف يحتاج إلى معالجة).