انهيار آخر خط إنساني للاجئين السودانيين في مخيم كرياري بتشاد

الأحداث – تقرير
في مخيم كرياري للاجئين السودانيين بشرق تشاد، يجتمع عدد من متطوعي غرفة الطوارئ، وهي لجنة محلية شكلها النازحون لإدارة شؤون المخيم، تحت سقف أحد المساجد، لمناقشة توقف المطبخ الجماعي واستمرار تدفق اللاجئين، بعد أشهر من العمل المتواصل.

يقول أحدهم: “لم يعد لدينا طعام لنطبخه بعد اليوم. كنا نطبخ كل يوم لآلاف الأسر، واليوم لا نجد حتى كيس ذرة واحد لنبدأ به”.

ولم يكن توقف المطبخ مجرد خبر عابر في المخيم، بل كان إعلانا عن انهيار آخر خط دفاع إنساني يحمي آلاف العائلات من الجوع.

شريان الحياة
من جانبه، يقول صدام أبكر الصافي، ممثل غرفة طوارئ كرياري، للجزيرة نت إن المطبخ كان يقدم وجبات لآلاف الأسر يوميا، والآن توقف تماما بسبب شح التمويل، مما يعني أن هذه العائلات لم تعد تحصل على أي وجبة في اليوم.

ومنذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، ظلت المطابخ الجماعية شريان الحياة الوحيد لمئات الآلاف من السودانيين، من بينهم اللاجئون في مخيمات شرق تشاد، حيث تعجز وكالات الأمم المتحدة عن الوصول إليهم أو توفير الغذاء الكافي لهم.

وفي مخيم كرياري، الذي يؤوي نحو 7 آلاف لاجئ، اعتمد آلاف اللاجئين على الغذاء الذي توفره هذه المطابخ التي يديرها متطوعون وناشطون محليون، حيث واصلوا تقديم المساعدة للعالقين في مناطق الصراع النشطة رغم التهديدات.

وكان المطبخ المركزي في كرياري يعمل على مدار الساعة، بمشاركة 25 متطوعا، يوزعون المهام بين الطهي والتعبئة والتوزيع على الأسر في مواقع خيامهم، وفق ما يوضحه الصافي.

ويقول للجزيرة نت: “كنا نرى يوميا كبار سن ومرضى لا يستطيعون الوصول إلى المطابخ. بعضهم كان يرسل أطفالا صغارا للحصول على الطعام، وآخرون كانوا يبقون دون طعام لأيام لأنهم لا يملكون القوة للتحرك. لهذا قررنا أن نأتي بهم إليهم عبر المطبخ المتنقل”.

ويضيف: “كنا نعد يوميا كميات كبيرة من الوجبات، بعضها يوزع في المطبخ، وبعضها يصل إلى خيام الأسر عبر المتطوعين، في مسيرة تستغرق ساعات أحيانا”.

أزمة تمويل
يأتي هذا التوقف في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة من خفض المساعدات الغذائية في تشاد إلى النصف، بسبب عجز تمويلي يبلغ 428 مليون دولار، مما دفع برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص الحصص الغذائية منذ يناير 2026.

وتقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، في تقرير صادر في 9 أبريل 2026، إن الموارد الحالية تكفي لتغطية احتياجات 4 من كل 10 لاجئين فقط، بينما تعيش نحو 80 ألف أسرة بلا مأوى.

وتشير أحدث بيانات المفوضية، الصادرة في 21 سبتمبر 2026، إلى أن عدد السودانيين الذين عبروا إلى تشاد منذ أبريل 2023 بلغ 959 ألفا و126 شخصا، بينهم 55 ألفا و500 وصلوا خلال عام 2026 وحده.

ويوضح صدام أبكر الصافي أن المطبخ كان يتلقى الدعم من الخيرين وأبنائه في الخارج، من مغتربين وأسر داعمة، لكن في الآونة الأخيرة واجهوا ضائقة مالية خانقة، لم يعودوا يستطيعون معها شراء حتى الكيس الواحد من ذرة الدخن، وهي حبوب غذائية تشبه الذرة التي كانت تشكل غذاءهم الأساسي.

ويتابع: “الغرفة لم تتلق منذ أشهر أي دعم كاف، لا من المنظمات ولا من المانحين، بينما تجاوزت أعداد الأسر الوافدة 7 آلاف أسرة، ونحن 25 متطوعا فقط”.

أصوات المخيم
من جهتها، تقول سعدية يوسف عبد الله، عضو غرفة طوارئ كرياري، إن المطابخ الجماعية “لم تكن مجرد وجبات، كانت رسالة أمل. كنا نذهب إلى من لا يستطيع المجيء إلينا. هناك امرأة تبلغ من العمر 80 عاما لا تستطيع المشي، وأخرى مريضة طريحة الفراش، وأطفال مصابون بإعاقات حركية”.

وتضيف للجزيرة نت: “كنا نعرف كل حالة. كان لدينا سجل بأسمائهم ومواقع خيامهم، لنضمن ألا يبقى أحد جائعا. اليوم، هذا السجل مهدد بالانقطاع”.

وتشير سعدية إلى أن المطبخ كان يقدم أيضا وجبات للأمهات الحوامل والمرضعات، وأن كثيرا منهن كن يعتمدن عليه بشكل كامل، لعدم قدرتهن على الطهي أو شراء الطعام.

ولا تقتصر الأزمة على الغذاء، إذ تعاني الأسر في مخيم كرياري من أزمة مياه حادة، وتعتمد على عدد محدود من الآبار التي تخدم حاليا أعدادا تفوق طاقتها بنحو 6 أضعاف.

ويلفت الصافي إلى أن الوافدين الجدد يصلون في أوضاع صعبة، وينام عدد كبير منهم في العراء بسبب نقص المأوى، بينما تتزايد الأمراض المرتبطة بنقص المياه وسوء التغذية. ويضيف أن الآبار التي كانت تخدم ألف أسرة، أصبحت اليوم تخدم 6 آلاف، و”المياه لم تعد كافية حتى للشرب، فكيف بغسل الأواني أو الطهي؟”.

دور محوري
وخلال العامين الماضيين، لعبت المطابخ الجماعية دورا محوريا في إنقاذ حياة اللاجئين السودانيين في شرق تشاد، حيث وفرت وجبات ساخنة لآلاف اللاجئين الذين لا يملكون القدرة على الطهي أو شراء الطعام.

ويقول بحر الدين آدم صالح، متطوع محلي، للجزيرة نت: “هذه المطابخ أنقذت أرواحا لا حصر لها. لولاها، لمات مئات الآلاف جوعا في المخيمات والمناطق المحاصرة. اليوم، بعد توقفها، نواجه كارثة إنسانية جديدة”.

ويؤكد الصافي أن المطابخ لم تكن مجرد مكان لتقديم الطعام، بل نقطة تجمع للمجتمع، ومكانا يشعر فيه اللاجئ أنه ليس وحيدا، “اليوم، فقدنا هذا كله”. ودعا الجهات الإنسانية إلى التدخل الفوري لإنقاذ آلاف الأسر التي فقدت مصدر غذائها الوحيد.

وأضاف أن الأوضاع في كرياري تتطلب استجابة عاجلة تشمل توفير الغذاء، ومياها صالحة للشرب، ومواد الإيواء، ومستلزمات النساء والأطفال. وطالب بإيجاد حلول مستدامة، لا تعتمد على المساعدات الطارئة فقط، بل على تمكين اللاجئين من إنتاج غذائهم بأنفسهم.

وفي مخيم كرياري، حيث توقفت المطابخ الجماعية، وحيث ينتظر آلاف اللاجئين وجبة قد لا تأتي، تزداد معاناة كبار السن والمرضى والأطفال الذين لا يملكون القوة للبحث عن طعامهم، يبقى السؤال: كم يوما يمكن أن تصمد هذه الأسر أمام الجوع، قبل أن يتحول التوقف إلى كارثة إنسانية لا تُحمد عقباها؟.
نقلا عن “الجزيرة نت”

↑
Exit mobile version