إن الخطاب الذي يتبناه ياسر، والمُغلّف بادعاءات العمل الإنساني، ليس في حقيقته إلا تهرباً متعمداً من الحقيقة تحت ستار الحياد الزائف. هذه إحدى الاستراتيجيات الخبيثة التي يستخدمها دعاة الحياد الزائف: صرف الانتباه عن الفظائع التي تُعاني منها المجتمعات السودانية. فمن خلال تصوير الجرائم الجارية على أنها مجرد “نزاع” أو “حرب” بشكل عام – دون تسمية الجناة أو تحديد المسؤولية المباشرة – يُخفون المساءلة. وفي بعض الأحيان، يُغرقون الواقع الحالي في استطرادات تاريخية انتقائية، في محاولة للتهرب من مواجهة الحقائق. ومع ذلك، تبقى بعض الأسئلة حتمية في أي خطاب سياسي جاد:
• من يرتكب جرائم القتل الجماعي والإبادة الجماعية؟
• من نهب المنازل واحتلها ورفض مغادرتها؟
• من عرّض النساء السودانيات لمستويات غير مسبوقة من العنف الجنسي، مستخدماً الاغتصاب بشكل منهجي كسلاح حرب لكسر المجتمعات وإخضاعها؟
• • من ارتكب الإبادة الجماعية في الجنينة، ومن ذبح المدنيين في الفاشر وود النورة والهلالية؟
من يعدم الناس على أساس عرقي، مستهدفًا إياهم برصاص في الرأس لمجرد أن قبائلهم تُعتبر غير مرغوب فيها؟
من وظّف التجويع كسلاح، مُحييًا أساليب العصور الوسطى كبناء جدران رملية حول المدن لسجن السكان واستخدامهم كرهائن؟
من اقتحم المستشفى السعودي في الفاشر وذبح 460 مريضًا ومرافقيهم؟
الإجابات واضحة لا لبس فيها: قوات الدعم السريع، التي مكّنتها ودعمتها الإمارات العربية المتحدة بالأسلحة والمعدات والغطاء الدبلوماسي. إن تجاهل هذه الأسئلة، أو الأسوأ من ذلك، تحريفها ودفنها تحت طبقات من التعتيم، ليس حيادًا، بل هو تواطؤ. إنه مشاركة في الجريمة.
عندما تصدر مثل هذه الادعاءات والنداءات من ياسر نفسه الذي التزم الصمت حين أصدرت اللجنة القانونية لتحالفه، إلى جانب منظمات المجتمع المدني المتحالفة معه، بيانًا يمهد الطريق للهجوم على مخيم زمزم للنازحين – مصورةً إياه زورًا كقاعدة عسكرية لتبرير المجازر الوشيكة لقوات الدعم السريع – فلا يمكن احترام هذه الادعاءات أو أخذها على محمل الجد. لم يكن ذلك الصمت حيادًا، بل كان تواطؤًا. وسيطغى ثقل هذا التواطؤ في نهاية المطاف على أي تظاهر أخلاقي لاحق.
لا يمكن لأي قدر من الشعارات المدنية، أو الدعوات الجوفاء إلى “إنهاء الحرب”، أو تصوير السلام على أنه لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الاستسلام لأجندة الميليشيات – وخلفها طموحات الإمارات العربية المتحدة في ابتلاع الدولة السودانية والاستيلاء على مواردها – أن يخفي هذه الحقائق. إن قوات الدعم السريع أداة للعنف والقمع والهيمنة. بالأمس، في أصولها الجنجويدية، كانت تخدم نظام البشير وتحميه، ولا تزال كذلك اليوم، تخدم المصالح الإماراتية وطموحات أولئك الذين يسعون إلى الوصول إلى السلطة عبر آلياتها المدرعة بأساليب فاشية. لا يمكن إعادة توظيف الأدوات التي صُنعت للقتل والتهجير والعنف الجنسي في بناء الدولة أو تشييدها. والادعاء بخلاف ذلك محض تضليل.
لا يمكن للقوى السياسية التي تمارس هذا التضليل – بتشويهها المتعمد لروايات الحرب – أن تدّعي الحياد، ولا أن تدّعي العمل لمصلحة الشعب السوداني. حتى موقفها الحالي ضد جماعة الإخوان المسلمين ليس موقفًا مستقلًا، بل هو موقف مُستقى بالكامل من الروايات الإماراتية المُبررة، لدرجة تبنيها مصطلحات دخيلة بدلًا من المصطلح السوداني الأصلي.