اليمن على مفترق طرق: تصدّع التحالف العربي، ومستقبل الأمن الإقليمي

عميد ركن (م) دكتور حبيب الله تاج الدين الجميعابي 

 في مطلع عام 2026م، يقف اليمن مجددًا أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم مسار الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، غير أن الجديد هذه المرة لا يقتصر على جبهة الحوثيين في الشمال، بل يتمحور أساسًا حول اليمن الجنوبي، حيث تفجّر تصعيد عسكري وسياسي غير مسبوقين، ترافق مع توتر علني بين السعودية والإمارات، حليفَي الأمس في التحالف العربي لدعم الشرعية؛ هذا التحول لا يهدد فقط وحدة اليمن، بل يضع مستقبل التحالف ذاته، ومعه معادلات الأمن الإقليمي، أمام اختبار حاسم. 

شهدت الأشهر الأخيرة تصعيدًا متسارعًا في محافظات الجنوب، لا سيما حضرموت وأجزاء من شبوة والمهرة، في محاولة لتوسع نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي المدعوم إماراتيًا، واندلاع مواجهات مع قوات موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا. هذا التطور أعاد بقوة خطاب الانفصال إلى الواجهة، ليس كشعار سياسي فقط، بل كمشروع مدعوم بوقائع ميدانية. اللافت أن هذا التصعيد لم يعد موجّهًا ضد الحوثيين، بل بات صراعًا داخل المعسكر المناهض لهم، ما يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الحرب اليمنية؛ من صراع على الشرعية، إلى صراع على النفوذ والحدود والموارد. 

وللمرة الأولى منذ انطلاق عملية “عاصفة الحزم” عام 2015م، يظهر الخلاف السعودي–الإماراتي إلى العلن بهذه الحدة، فالسعودية، التي ترى في أي كيان جنوبي مستقل تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وحدودها الجنوبية، ردّت بضربات جوية استهدفت قوات الانتقالي، في رسالة واضحة بأن خطوطها الحمر تتعلق بوحدة اليمن ومنع تشكّل فراغ أمني جديد. 

في المقابل، تنظر الإمارات إلى الجنوب من زاوية مختلفة، تركّز على النفوذ البحري والموانئ وخطوط التجارة، وعلى دعم قوى محلية قادرة على تأمين مصالحها الاستراتيجية طويلة الأمد.  هذا التباين في الرؤى حوّل التحالف من جبهة موحدة إلى مساحة إدارة خلافات، وأضعف قدرته على العمل كقوة إقليمية منسجمة. 

تنعكس هذه التطورات مباشرة على التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، الذي بات يعاني من تآكل وظيفي واضح، فالتحالف الذي تشكّل تحت عنوان إعادة الحكومة الشرعية، يجد نفسه اليوم أمام واقع تتراجع فيه هذه الحكومة لصالح قوى محلية متنافسة، بعضها يحظى بدعم أطراف داخل التحالف نفسه. هذا الواقع أدى إلى تراجع مركزية هدف استعادة الشرعية: وانكفاء معظم الدول المشاركة إلى أدوار هامشية أو رمزية، وبذلك تحوّل التحالف إلى إطار سياسي أكثر منه عسكريًا، يفتقر إلى رؤية موحدة للمستقبل. 

وأما دول التحالف مثل مصر والأردن والبحرين، فإن استمرار الخلاف بين الرياض وأبو ظبي يضعها في موقف حرج، ويدفعها إلى تبني سياسات حذرة، تركز على حماية مصالحها الأمنية دون الانخراط في صراعات داخل التحالف. إضافة لتعقيد الوضع بالنسبة للسودان الذي يشارك بقوات برية كبيرة نسبيا وتقوم بدور أساس في مسرح العمليات الشمالي لليمن بالرغم من الحرب الدائرة في السودان منذ 2023م، التي اندلعت بسبب تمرد قوات الدعم السريع المدعوم من دولة الإمارات الشريك الأساس في التحالف العربي. 

لا يمكن فصل ما يجري في اليمن الجنوبي عن السياق الإقليمي الأوسع، فالتصدع داخل التحالف العربي يحمل تداعيات مباشرة على أمن الخليج والبحر الأحمر، متمثلة بالآتي: 

أمن الملاحة الدولية.  أي فوضى في الجنوب أو على السواحل اليمنية تهدد باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. 

 تعزيز نفوذ الفاعلين غير الدوليين. انشغال التحالف بخلافاته يمنح الحوثيين مساحة مناورة أكبر في الشمال، سياسيًا وعسكريًا. 

هشاشة النظام الإقليمي العربي.  الخلاف بين قوتين خليجيتين رئيستين يضعف مفهوم العمل العربي المشترك، ويشجع قوى إقليمية أخرى على ملء الفراغ. 

أمام هذا المشهد المعقد، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسة: 

 تسوية سياسية شاملة.  نجاح وساطات إقليمية ودولية في إعادة ضبط العلاقة بين السعودية والإمارات، وإطلاق مسار سياسي جديد يشمل الحكومة اليمنية، والحوثيين، والمجلس الانتقالي، ضمن صيغة لامركزية موسعة. 

 تكريس الانقسام الواقعي. استمرار الوضع الحالي، مع نشوء جنوب شبه مستقل بحكم الأمر الواقع تتنازع عليه مكونات المجلس الانتقالي الجنوبي، وشمال تسيطر عليه جماعة الحوثي بما في ذلك العاصمة صنعاء وميناء الحديدة إضافة لبقية المناطق تحت سيطرة قوات الشرعية اليمنية ما يعني نهاية مشروع الدولة اليمنية الموحدة. 

تصعيد إقليمي غير مباشر. فشل التهدئة، وتحول الجنوب إلى ساحة صراع بالوكالة بين قوى إقليمية، بما يرفع كلفة الحرب ويهدد الاستقرار في الخليج والقرن الإفريقي. 

ما يشهده اليمن اليوم يتجاوز كونه أزمة داخلية، ليصبح مرآة لتحولات أعمق في الإقليم، فاليمن الجنوبي بات عقدة الصراع الجديدة، والتحالف العربي يمر بمرحلة إعادة تعريف مؤلمة، فيما يقف الأمن الإقليمي أمام مفترق طرق بين الاحتواء والتفكك. الأسابيع والأشهر المقبلة ستكون حاسمة إما أن تنجح القوى الإقليمية في تحويل هذا المنعطف إلى فرصة لإعادة بناء مسار سياسي مستدام، أو يدخل اليمن، ومعه الإقليم مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة. 

Exit mobile version