ألقت حرب الخليج بظلالها على العالم أجمع، وتسببت في أزمة اقتصادية ضخمة أثرت سلباً على كل القطاعات، ووقع التأثير الأبرز على سوق الطاقة الذي التهبت أسعاره تبعاً لنقص الإمداد وخروج 16 مليون برميل من ساحة العرض يومياً، وكان طبيعياً أن ترتفع أسعار النفط والغاز وكل المنتجات البتروكيماوية، الشيء الذي أجبر غالب دول العالم على اتخاذ تدابير وإجراءات استثنائية لمحاصرة ذلك الارتفاع ومواجهة الآثار السالبة للنقص المهول في المعروض.. فهل اتّبعت حكومة السودان النهج نفسه؟ سنطوف قليلاً لنعرض بعض التدابير التي اتخذتها الدول لتوفير الوقود وتخفيف غلواء ارتفاع الأسعار. في مصر القريبة انحصرت زيادة أسعار الوقود في 3 جنيهات فقط، وبلغت النسبة 14%، لكن الحكومة المصرية لم تكتف بذلك بل اتخذت إجراءات أخرى عديدة من بينها إغلاق المتاجر والأسواق والمطاعم في تمام التاسعة مساءً لتخفيض استهلاك الطاقة كما اتخذت إجراءات أخرى مثل تشجيع العمل عن بعد وإضافة يوم الأحد لنهج العمل من المنازل بالنسبة للمدارس ومؤسسات الدولة، وتوجيه الجهات الحكومية لتقليص استهلاك الوقود بنسبة 30% مع إطلاق حملة توعية لترشيد الطاقة في المنازل، واستبدال الطهي بالوقود البترولي ببدائل أخرى علاوةً على إبطاء المشروعات كثيفة الاستهلاك بتأجيل مؤقت لبعض المشروعات القومية التي تتطلب كميات ضخمة من الجازولين والبنزين. في أمريكا أقدمت إدارة ترمب على سحب كميات ضخمة من الاحتياطيات الاستراتيجية، وخففت العقوبات المفروضة على النفط الروسي (والإيراني نفسه). في إيطاليا وأستراليا وأيرلندا وجنوب إفريقيا والهند وناميبيا تم تخفيض الضرائب المفروضة على البنزين والجازولين لمحاصرة ارتفاع الأسعار، وفي بريطانيا تم تقديم دعم مالي مباشر للأسر محدودة الدخل، التي تستخدم الكيروسين للتدفئة، وفي الأردن تم حظر التكييف والتدفئة في المؤسسات الحكومية وحظر استخدام المركبات الحكومية لغير المهام الرسمية. في بنغلاديش تم تقليص ساعات العمل والبنوك، وإغلاق مراكز التسوق مبكراً، وفي سلوفينيا تم فرض قيود مؤقتة على مشتريات الوقود، وفي روسيا تم حظر تصدير البنزين لتأمين احتياجات السوق المحلية، وفي اليابان زادت الحكومة نسبة استخدام الفحم الحجري لتأمين الطاقة. بعض الدول الأوروبية (مثل ليتوانيا) حفزت مواطنيها على المزيد من الاستخدام لوسائل النقل العام عبر تخفيض تذاكر القطارات، مع تعزيز الاعتماد على الوقود الحيوي وتأجيل الصيانة غير الضرورية للمصافي. نعود إلى بلادنا ونسأل: هل اتخذت حكومتنا المبجلة أي إجراءات أو تدابير وقائية لحماية الاقتصاد السوداني والمواطن السوداني من الأزمة الطاحنة للطاقة؟ حتى اللحظة انحصرت إجراءات حكومة الدكتور كامل إدريس ممثلةً في وزارتي الطاقة والمالية في رفع سعر الوقود (بكل أنواعه) بنسبة مهولة، وتحريك سعر الدولار الجمركي إلى (3222) جنيهاً، ثم ماذا؟ لا شيء! المحصلة زيادة مزدوجة تلقي بأعباء هائلة على مواطن سحقته الحرب وأفقرته المليشيا المجرمة! ولكي أكون منصفاً سأذكر هنا تدابير في غاية الخطورة والأهمية اتخذتها حكومتنا المبجلة لمعالجة الأزمة وانحصرت في (سؤال الضهبان) عن هوية الجهة التي تحرض مزمل أبو القاسم على تناول ملف الوقود والتواصل مع من تتوهم أنه (المُحرِض الأثيم)، كي يوقفنا عن الكتابة بظنٍ أحمق ونظرة قاصرة معيبة، تشغل صاحبها بسفاسف الأمور بدلاً من التعاطي مع تلك المقالات بطريقة إيجابية ومحاولة الاستفادة من المعلومات المهمة التي وردت فيها لمعالجة الأزمة وتخفيف آثارها الكارثية على الدولة والمواطن! من يتوهمون أنهم يستطيعون منعنا من تناول شأن بالغ الأهمية واهمون، ومن يظنون أن كائناً من كان يجرؤ على استغلال أقلامنا لتحقيق مآربٍ شخصية أو مصالح اقتصادية لا يعرفوننا، والأولى بحكومة الدكتور كامل إدريس أن تنشغل بالأهم وأن تُظهر الحد الأدنى من الاهتمام بمعاناة المواطنين بدلاً من الاهتمام بأنشطة هامشية وفعاليات للعلاقات العامة، لا تنعكس بأي نهجٍ إيجابي على معاش الناس وقوت يومهم! يمكنهم إظهار بعض الرأفة بالمواطنين المسحوقين عبر إلغاء الزيادة التي طرأت على الدولار الجمركي كي لا يجتمع غلاء الأسعار الناتج عن الارتفاع المهول في أسعار الوقود مع الزيادة العالية التي طرأت على قيمة الدولار الجمركي، وبمقدورهم أن ينشئوا محفظةً جديدةً للوقود تشارك فيها البنوك والقطاع الخاص (والمستثمرون الوطنيون والأجانب) لتخفيف الضغط على سعر العملات الأجنبية سيما وأن الطلب علي الدولار من السوق الموازية لاستيراد الوقود من الخارج يمثل أكثر من 40% من جملة الطلب علي الدولار من السوق الموازية! ليست لدينا مشكلة مع الدكتور كامل إدريس ولا نستهدفه كما يصور له بعض المتحلقين به، وهو يحظى باحترامنا الشديد على المستوى الشخصي بعلاقة وطيدة امتدّت سنوات طويلة لكننا لن نجامله على حساب الوطن والمواطن. على دولة رئيس الوزراء المبجل وأعضاء حكومته (والبنك المركزي أيضاً) أن يتحركوا لمعالجة هذه الأزمة الطاحنة ومحاصرة آثارها السالبة على الاقتصاد والمواطن بدلاً من إهدار الوقت في الاجتماع مع لجنة تأهيل الإستادات والتوجيه بتأهيل أرض المعسكرات بسوبا والمشاركة بالزي الرياضي في اليوم العالمي للرياضيين والسعي لتحديد هوية الجهة التي تحرّض مزمل وما إلى ذلك من انصراف عن أصل الأزمة ولب القضية. القُحَّة ولا صمّة الخشم في ملف الوقود.. لأن الإجراء اليتيم اتخذته الحكومة في خضم هذه الأزمة تمثل في زيادة سعر الوقود ورفع قيمة الدولار الجمركي بنسبة 14%.. و(بل بس) للمواطن المسكين!