محمود حسين سري
أعلنت ألمانيا استضافتها مؤتمراً يوم 15 أبريل الجاري لجمع مساعدات طارئة للسودان، بحسب ما أعلنت وزارة الخارجية الالمانية في يناير 2026. و يأتى المؤتمر بعد أن عُقدت مؤتمرات سابقة لتقديم مساعدات للسودان في باريس عام 2024 وفي لندن عام 2025 لتسليط الضوء على أكبر أزمة إنسانية في العالم زجّت بملايين المدنيين في الفقر وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف.
وقالت ألمانيا إنها تبذل كل ما في وسعها، سياسيا وإنسانيا، لمساعدة الناس على الأرض ولوضع حد للقتال بعد أن فشلت الدعوات الدولية لوقف إطلاق النار حتى الآن في وضع حد للقتال بين الحكومة السودانية الداعمة للجيش وقوات الدعم السريع التي تعود جذورها إلى ميليشيا الجنجويد المتهمة بارتكاب الإبادة في دارفور قبل عقدين.
ولكن منذ انعقاد مؤتمر باريس في 2024 وحتى اليوم تغيرت كثير من المعطيات السياسية والأمنية والاقليمية والدولية والتى تجعل من مؤتمر برلين في نسخته الثالثة مصدر قلق لكثير من السودانيين و ترقب من الحكومة وهناك توجس من بعض القوى السياسية وتأهب من بعض القوى الإقليمية والدولية تجاه تنظيمه، حيث تصاعد الجدل حول طبيعة الدور الدولي في إدارة الملف السوداني.
فمؤتمر برلين في نسخته الثالثة يأتي والجيش السوداني يواجه تحديات ميدانية بعد سقوط بارا المدينة الاستراتيجية في شمال كردفان والحصار على مدينة الأبيض وفتح الجبهة الشرقية في ولاية النيل الأزرق بعد السيطرة على مدينة الكرمك وقيسان. كل هذه التطورات الميدانية على الأرض تعكس ما تواجهه القوات المسلحة السودانية من تحديات في اتساع جبهة القتال من الشرق إلى الوسط إلى الغرب والدعم الاقليمي من جنوب السودان ويوغندا و تشاد وليبيا والإمارات العربية المتحدة وجمهورية أفريقيا الوسطى وإثيوبيا في السماح للدعم اللوجستي والمرتزقة بعبور أراضيهم للسودان. يضاف إلى ذلك التقرير الصادر عن African Intelligence والذي يفيد بأن المملكة العربية السعودية قررت تجميد صفقة أسـلحة كانت موجهة عبر باكستان لتزويد القوات المسـلحة السودانية والذي قد ينعكس على موازين الدعم العسكري في الصراع المستمر منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية والإقليمية لوقف إطلاق النـار واستئناف العملية السياسية.
سياسياً فإن المشهد أصبح أكثر تعقيداُ، فبعد حرب أوكرانيا وحرب غزة أصبحت المنطقة كلها منشغلة بما يدور في الحرب الايرانية الامريكية والاسرائيلية. وأصبحت دول كثيرة مثل قطر ومصر والسعودية وتركيا منشغلة بأزمة إيران وتعطلت جهود الرباعية وظهرت الخماسية الجديدة والتى يقودها (الاتحاد الأوروبي و جامعة الدول العربية و الإتحاد الأفريقي ومنظمة إيغاد والأمم المتحدة) والتي تحول دورها الغامض و غير المكتوب في وثيقة توضح حدود تفويضها وآلياتها وأدواتها وأهدافها ومهامها التنسيقية إلى تحركات دولية مريبة تتجاوز لدور الوساطة والدعم وأصبحت تتدخل بشكل مباشر في الشأن السوداني وفرض أجندات سياسية محددة على المشهد الداخلي من خلال تحضير مؤتمر دولي بالتعاون مع أطراف ودول دون تحديد الأهداف والأجندة وطريقة اختيار المشاركين وانحيازها لتيارات سياسية واضحة وعدم تنسيقها مع الجهات المعنية وهى الحكومة السودانية ووزارة خارجيتها وسفارتها المتواجدة في الغرب.
ويأتى مؤتمر برلين سياسياً كأول اجتماع سياسي دولي حول السودان بعد إعلان الولايات المتحدة الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية السودانية والإخوان المسلمين بأحزابهم ومنظماتهم كحركة إرهابية ضاربة بذلك استبعاد تيار موجود ومؤثر على الأرض رغم اختلاف الناس حوله.
وعلى مايبدو إقليمياً ودولياً فقد تحول مؤتمر برلين إلى ساحة ومساحة دولية لبعض الدول لاختطافه وتحويله إلى وسيلة يمكن بها تحقيق مصالحهم الوطنية. فتحولت الولايات المتحدة الأمريكية من دولة مدعوة إلى المؤتمر إلى طرف أساسي يقود المؤتمر وتترأس جلساته. وجاءت الأنباء متواترة باجتماع مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالسفير الألماني لدى الولايات المتحدة الأمريكية، ينس هانفليد، لبحث الترتيبات المتعلقة بالمؤتمر. و تناول اللقاء أدوار الأطراف المشاركة في استضافة المؤتمر، إضافة إلى نقاشات معمقة حول أولويات المرحلة الراهنة وأجندة المؤتمر، وعلى رأسها ضمان مصلحة الولايات المتحدة الامريكية وهى تضخيم وتهويل وتكبير والمبالغة في ملف المساعدات الإنسانية واستخدامه للوصول إلى هدنة إنسانية تقود إلى مفاوضات سياسية تعيد القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع والتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك للسلطة من خلال اتفاق جديد.
بالاضافة إلى ذلك تحاول دول مثل بريطانيا والنرويج استخدام مساحة وساحة مؤتمر برلين لتحقيق مصالحها في السودان فقد دعت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إلى جهد دبلوماسي مكثف لإنهاء الحرب، مؤكدة أن حجم الكارثة الإنسانية في السودان هو الأكبر في القرن الحادي والعشرين، وأن استمرار القتال يهدد الأمن الإقليمي ويزيد مخاطر التطرف والهجرة. وتحاول بريطانيا الضغط على المجتمع الدولي للتدخل في السودان بعدما أسمته “فشل القوات المسلحه السودانية وقوات الدعم السريع بصورة كارثية في حماية المدنيين”، مشيرة إلى فظائع واسعة النطاق شملت عمليات قتل جماعي بدوافع عرقية واستخدام الاغتصاب والتجويع كسلاح. وأضافت كوبر أن شهادات المدنيين والعاملين في غرف الطوارئ الذين تم تقديم الجوائز الأوروبية لهم هي شاهد عيان حول ما جرى ويجري في السودان من انتهاكات خطيرة لحقوق الانسان.
وكشفت بريطانيا بأن الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على صياغة هدنة وخطة مؤكدة أنها أجرت محادثات في واشنطن لبحث سبل دفع العملية الدبلوماسية. فالمؤتمر هدفه أصبح لا يُعد مجرد اجتماع إنساني أو سياسي روتيني، بل يمثل تحالفاً دولياً واسعاً تقوده ألمانيا، بمشاركة الاتحاد الأوروبي، وفرنسا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة، إلى جانب الإتحاد الأفريقي وكندا، وأكثر من 25 وزير خارجية من دول مؤثرة إقليميا ودوليا في قضية تحقيق السلام في السودان.
وقد أعلنت تنسيقية القوى الوطنية في السودان رفضها المشاركة في مؤتمر برلين المرتقب و مقاطعتها كذلك للاجتماع التحضيري المقرر عقده في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا اعتراضا على التحركات الدبلوماسية الدولية التى عقدت المشهد الداخلي بدلًا من تقريب وجهات النظر بين القوى السودانية المختلفة واستماتت كل الأطراف الدولية في إعادة إنتاج الاتفاق أو فرض ترتيبات سياسية جديدة لا تقوم على توافق وطني واسع.
وقد تحول مؤتمر برلين من مؤتمر إنساني إلى مؤتمر سياسي باستضافة 40 شخصية سودانية أغلبها شخصيات معارضة للقوات المسلحة السودانية وشخصيات عليها أحكام سياسية داخل السودان بتهمة التعاون مع قوات الدعم السريع المتمردة وشخصيات قريبة من المجتمع الدولي رافضين لأي عملية سياسية تهدف إلى معالجة الأزمة السودانية تنطلق من داخل البلاد وبمشاركة حقيقية لمختلف القوى الوطنية، بما يعكس إرادة السودانيين ويؤسس لحلول مستدامة للأزمة.
وتقوم عدد من القنوات العربية والاقليمية والقوى السياسية السودانية المؤيدة لمؤتمر برلين بتصوير أي معارضة أو رفض أو تحفظ على مؤتمر برلين على أنه حملة تقف خلفها منصات تابعة للحركة الإسلامية السودانية (الإخوان) الرافضة للسلام والداعية إلى مواصلة الحرب، إضافة إلى واجهات سياسية مرتبطة بالجيش والسلطة القائمة في بورتسودان وتعتمد على عدة نقاط بأنها مضللة أو انتقائية وأن ما يروج له البعض بأنه انحياز دولي غير حقيقي لأن المؤتمر يضم أكبر تحالف دولي وإقليمي متوازن، بما يشمل قوى غربية وأفريقية وعربية، وهو ما يفضح تماماً مزاعم الانحياز. وأن مايشاع في التمثيل المدني السودانى داخل المؤتمر غير حقيقي وأنه يشمل طيفاً واسعاً من القوى المدنية.
أن كل هذه المعطيات تقودنا إلى أن المجتمع الدولي ماضٍ إلى فرض رؤيته للحل في السودان دون أن يسمع للحكومة السودانية، بعد أن فشلت في نظره في حسم المعركة على الأرض عسكرياً وعدم قدرة الحكومة على ترويج مبادرتها للسلام في المنابر الدولية وعدم دخولها في حوار مقنع مع القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الحل في السودان.
من المتوقع أن ينتج عن هذا المؤتمر أكبر تحالف دولي لحل الأزمة في السودان وسيعيد المؤتمر الثقة في الرباعية الدولية والخماسية الدولية في تكليفها بملف الحل في السودان دون معالم وخطوط واضحة لإطلاق العنان لدور الولايات المتحدة الأمريكية التي تنفخ فيها الإمارات العربية المتحدة في حل الازمة السودانية بناء على مصالحها و رؤيتها وتحجيم دور دول وقوى اقليمية مثل تركيا ومصر والسعودية وقطر وروسيا مما يدور في السودان. وسيتم في مؤتمر برلين اعتماد كل الأرقام والفظائع والشكاوى من المنظمات الدولية لاستخدامها سيفاً مسلطاً على القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع للجلوس معا للوصول إلى هدنة إنسانية. كما سيستخدم قرار تصنيف الاخوان المسلمين في السودان بمزيد من الاجراءات بالتضييق على السفارات السودانية وحاملى الجوزات الدبلوماسية ومهاجمة تجمعات مثل تجمع السودانيين في الخارج والذي يعبر عن الرأي العام للجاليات السودانية بأنه واجهة اخوانية مقيمة في الدول الغربية بعد رفضه مؤتمر برلين و إعلان تحرك مضاد ضده.
إن الفترة القادمة محتاجة إلى أن تعي القوات المسلحة و الحكومة السودانية حجم التكتلات والضغوط الدولية
بأن الوضع في السودان لا يمكن أن يستمر بلا حرب و بلا سلام. فالحكومة السودانية مطالبة أكثر من أي وقت مضى في الحد من المعاناة الإنسانية للمدنيين بفتح كل المسارات الإنسانية والتعاون مع منظمات الاغاثة حتى لا يتم استخدام الملف الإنساني سياسيا . كما أن الحكومة مطالبة بالعمل على إعادة تسويق خطة السلام السودانية التى أهملت والحد من نفوذ الرباعية والخماسية المختطفة من قبل دول معينة لها مصالح محدودة، والعمل اكثر من خلال إصدقائها في الإقليم والمجتمع الدولي وحواضنها السياسية وإعلامها وجالياتها المقيمة في عواصم صنع القرار في ايجاد حل سلمى يحفظ للسودان سيادته ووحدته وسلامة أراضيه.