الموسيقار د.حمزة سليمان يكتب: الفنان محمد الأمين والظلم التاريخي بين القانون والثقافة
Mazin
بعد رحلة طويلة امتدّت لعقود من الإبداع الفني والمساهمة الثقافية والاجتماعية، رسّخ الفنان محمد الأمين مكانته كأحد أعمدة الغناء السوداني الحديث. فقد قدّم نماذج تأليفية متقدمة متأثرة بالقوالب الكلاسيكية العربية، خاصة المدرسة المصرية، وأسهم في تطوير بنية الأغنية السودانية من حيث طولها، وبناء مقدماتها الموسيقية، وتعقيدها اللحني، مما رفع مستوى التذوق الموسيقي لدى المستمع السوداني ووسّع مداركه الفنية. كما أثبت مهارة استثنائية في العزف على آلة العود وقيادة الأوركسترا، إلى جانب إرساء حضور قوي للأصوات الغنائية الغليظة في الذائقة السمعية المحلية.
لكن الجدل الذي أُثير عقب رحيله — رحمه الله — حول قرار أسرته إيقاف تداول أعماله أو استخدامها إعلامياً وفنياً، يفتح باباً مهماً للنقاش الموضوعي الذي يجمع بين الأبعاد الثقافية والقانونية والاجتماعية في السودان.
أولاً:
من الملاحظ أن القرار صدر بصورة قانونية مباشرة دون تمهيد ثقافي أو تواصلي مع الوسط الفني والجمهور. في السياق السوداني، حيث تشكّلت علاقة تاريخية بين الفنان والمجتمع قائمة على التداول المشترك للأغنيات في المناسبات العامة والخاصة، كان من الممكن اعتماد نهج تدريجي يقوم على طلب الإذن أو تنظيم الاستخدام بدلاً من الإيقاف المفاجئ، خاصة أن هذا النوع من المنع يُعد جديداً نسبياً على الثقافة المحلية.
ثانياً:
القانون في حد ذاته يمنح الورثة حقوقاً مشروعة في المصنفات الفنية، لكن الإشكالية تظهر عندما تُطبّق النصوص القانونية بمعزل عن السياق الثقافي السائد. فالسودان، بخلاف بعض الدول الغربية، لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الأعراف الاجتماعية في تداول الفنون، مما يخلق فجوة بين ما هو قانوني وما هو متعارف عليه مجتمعياً.
ثالثاً:
الأغنية ليست ملكاً لطرف واحد فقط؛ فهي نتاج شراكة بين الشاعر والملحن والمؤدي والموزع الموسيقي أحياناً. لذلك يبرز تساؤل مشروع:
هل تم التشاور مع الشعراء أو ورثتهم بشأن إيقاف النصوص المغناة؟
وهل يشمل القرار الألحان فقط أم الأداء الصوتي المسجل؟
هذه الأسئلة جوهرية لأن الحقوق الأدبية والمالية في الأعمال المشتركة غالباً ما تكون متداخلة قانونياً.
رابعاً:
في كثير من التشريعات، تنتهي الحقوق المالية بعد مدة زمنية محددة (غالباً حياة المؤلف + عدد من السنوات). كما أن بعض التسجيلات القديمة قد تدخل في نطاق الملك العام أو تتقاطع مع حقوق مؤسسات الإنتاج أو الإذاعة، مما يجعل تطبيق الإيقاف الشامل أمراً معقداً من الناحية القانونية.
خامساً:
تناول الفنان محمد الأمين عدداً من أغنيات التراث السوداني (الحقيبة) بإعادة توزيع وأداء جديد. هنا تظهر مسألة قانونية أخرى: هل يشمل الإيقاف هذه الأعمال أيضاً رغم أن أصلها تراثي؟
في العديد من الأنظمة القانونية، يكون اللحن أو النص التراثي متاحاً للجميع، بينما تُحمى فقط النسخة التوزيعية أو التسجيل المحدد.
سادساً:
في أوروبا وأمريكا وكندا، تُحفظ حقوق الفنانين عادة عبر جمعيات إدارة جماعية (Collective Management Organizations) تسمح بالاستخدام مقابل رسوم ترخيص، بدلاً من المنع الكامل. فالأصل هو إتاحة الفن مع ضمان الحقوق المالية، لا حجب الفن عن الجمهور. هذه النماذج كان يمكن دراستها والاستفادة منها بما يناسب البيئة السودانية.
خلاصة
القضية لا تتعلق بمشروعية حقوق الورثة — فهي حقوق مكفولة — بل بطريقة إدارة هذه الحقوق في سياق ثقافي خاص مثل السودان. كان من الممكن الوصول إلى صيغة متوازنة تحقق ثلاثة أهداف:
1. حفظ حقوق الأسرة مادياً وأدبياً.
2. استمرار حضور الفنان في الوجدان العام.
3. احترام طبيعة الثقافة السودانية القائمة على المشاركة والتداول.
إن الفنانين الكبار لا يصبحون ملكاً لأسرهم فقط، بل جزءاً من الذاكرة الوطنية. وإدارة إرثهم تحتاج إلى سند قانوني