الموسيقار د.حمزة سليمان يكتب: الفنان شرحبيل أحمد – حين صار الجاز سودانيا

من الصعوبة بمكان الكتابة عن فنانٍ منذ وهلته الأولى وبداياته المبكرة؛ فشرحبيل أحمد ليس مجرد تجربة فنية عابرة، بل مشروع إبداعي متفرد، متمرد، وصاحب رؤية حداثية سبقت زمنها. لقد قدّم أسلوباً فنياً خاصاً أطلق عليه موسيقى الجاز، وهي تسمية لا تخلو من دلالة فكرية عميقة؛ إذ ارتبط الجاز، تاريخياً، بتطور البنية الموسيقية من حيث متابعة الغناء عبر التآلفات (الأكوردات) والمركبات الهارمونية، إضافة إلى دور فرق الجاز في تنظيم الأغنيات من حيث المقدمات، والبناء، والقفلات الموسيقية.
ورغم أن لموسيقى الجاز أسسها الأكاديمية وسلالمها المعروفة، إلا أن شرحبيل أحمد أسّس مدرسة جاز سودانية الهوية، استطاع من خلالها إعادة تركيب الأغنية السودانية بروح جديدة، مستخدماً آلات النفخ النحاسية والخشبية، والآلات الإيقاعية كالدرامز والكونغا، إلى جانب الآلات الوترية مثل الجيتار والباص جيتار، والآلات الهوائية كالأورغ. وقد جاءت فرقته الموسيقية متطلعة لمواكبة الأغنيات العالمية، رغم شُح الإمكانات التقنية في تلك المرحلة، ما يعكس وعياً فنياً وإصراراً على التجديد.
يمتلك شرحبيل أحمد صوتاً حاداً من طبقة التينور، وظّفه بذكاء أدائي في الغناء باللغتين العربية والإنجليزية، بخامة صوتية ذات طابع خاص، جمعت بين المرونة والقوة والتعبير العالي. وقد صبر طويلاً على أسلوبه الفني، ورعاه فكرياً من منطلق ثقافة موسيقية واسعة، إلى أن وُلد ذلك الجيل الاستثنائي: الجيل الاستيعابي، جيل التسعينات والمكتبة القبطية، الجيل الذي امتلك مساحة سمعية ثرية، فتلقّى أغنيات شرحبيل أحمد بوعي مختلف، وكان حضوره بينهم طاغياً ولافتاً.
ذلك الجيل تجاوز الأسماء إلى جوهر الأغنيات نفسها، فصار أسير العمل الفني لا صاحبه، على عكس كثير من التجارب التي ارتكز نجاحها على الحضور المسرحي أو النجومية الاسمية. وقد أسهم شرحبيل أحمد، بمهارته كعازف جيتار وعود، في تجاوز القوالب التقليدية للآلة الموسيقية، فاتحاً آفاقاً جديدة أسهمت في تنمية الذائقة السمعية للمستمع السوداني، وتعريفه بما هو غير مألوف في الاستماع العام.
ولا يكتمل الحديث عن شرحبيل أحمد دون التوقف عند تجربته في الفن التشكيلي، وشخصياته الرمزية العظيمة التي لعبت دوراً تنويرياً وإرشادياً في الوعي الجمعي، وعلى رأسها شخصية «عمك تنقو»، التي حُفرت رسوماتها في ذاكرة السودانيين، وأصبحت جزءاً من ثقافتهم البصرية والاجتماعية.
إن الرصيد الفني الضخم الذي تركه شرحبيل أحمد—سواء في الذاكرة الشعبية، أو في المكتبات، أو في التدوين الموسيقي—يضع على عاتقنا مسؤولية تاريخية؛ أن نعيد كتابة هذا الإرث موسيقياً، وأن نُكرمه بتوثيق أعماله كاملة، وتدوين أغنياته في كتب ومراجع موسيقية، تحفظها للأجيال القادمة بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ الإبداع السوداني.



