تقارير

الموازنة الجديدة .. زيادة الأجور في مواجهة التحديات الإقتصادية

بدا لافتًا عند إجازة موازنة العام المالي 2026 تضمين بند لتحسين أجور العاملين بالدولة، تزامنًا مع حالة الطوارئ التي تفرضها الدولة السودانية لظروف الحرب التي قاربت على إكمال عامها الثالث منذ اشتعالها في أبريل 2023.

هذه الحرب بدورها استنزفت الإيرادات الحكومية، حيث تم توجيه معظمها للمجهود العسكري والحربي، مما جعل زيادة أجور العاملين بالدولة أمرًا غير متوقع في ظل هذه الظروف الاقتصادية الصعبة

بشريات بالموازنة:
والثلاثاء الماضي، أجاز مجلس الوزراء الموازنة الطارئة للعام المالي 2026، وكشف وزير المالية والتخطيط الاقتصادي، دكتور جبريل إبراهيم حينها عن وجود بشريات في موازنة العام المقبل وتشمل تحسين الأجور والمرتبات والمعاشات، علاوة على توفير وظائف في مداخل الخدمة، وخلو الموازنة من أي أعباء ضريبية إضافية.

واشار الوزير إلى توسيع قاعدة الإيرادات عبر التوسع الأفقي وعدم تحميل المواطن أي أعباء ضريبية جديدة، بجانب توسيع دائرة خدمات العلاج لإستيعاب مزيد من الأسر بالحزمة الأساسية والأضافية عبر التأمين الصحي وتوطين العلاج بالداخل مع الإستمرار في سداد إلتزامات الحكومة نحو التأمين الصحي والمعاشات.

ووصف إبراهيم الموازنة بغير التقليدية، حيث تركز على حشد الموارد الذاتية وتوجيهها بشكل أساسي لمتطلبات معركة الكرامة وأولويات الإنفاق على توفير الخدمات الأساسية بالولايات المتأثرة بالحرب من مياه و كهرباء وصحة وتعليم ، و الاستمرار في تهيئة البيئة لعودة المواطنين لمقارهم.

وكشف وزير المالية عن أهم المؤشرات الاقتصادية الكلية للموازنة والتوقعات باستقرار اقتصادي نسبي اعتماداً على عدد من الاصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي بدأ تطبيقها خلال العام 2025م.

معدل النمو:
و تستهدف الموازنة الجديدة تحقيق معدل نمو في الناتج المحلى الاجمالي بحوالي 9%، وانخفاض متوسط معدل التضخم خلال العام 2026م إلى 65% مقارنة بمعدل 101.9% للعام 2025م.

تدهور الجنيه:
ومع التدهور المستمر لسعر الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية وقفز سعر الدولار إلى أكثر من 3500 جنية مقارنة بــ 560 جنية قبل الحرب وتدهورت الأوضاع المعيشية للعاملين بالدولة إثر انخفاض قيمة الأجور وعدم استطاعتها على تلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل الغلاء الطاحن للأسواق.

زيادة سابقة:
وفي العام 2020 تمت آخر زيادة في أجور العاملين حيث أقرت الحكومة وتمت زيادة الحد الأدنى للأجور في البلاد بنحو سبع مرات عما كانت عليه في محاولة للحد من الأعباء على المواطن جراء حدوث تغيرات في الأسعار وصعود التضخم، ورفعت الحكومة وقتها الحد الأدنى للأجور من 425 جنيهاً (8.7 دولارًا) إلى 3 آلاف أي ما يعادل 61.3 دولارًا).

تفاصيل الأجور:
ولم تفصح الموازنة المجازة حاليًا عن أي تفاصيل عن تحسين الأجور أو قيمة الحد الأدنى الذي تنوي تطبيقه خلال الشهور القادمة.
وفي سبتمبر الماضي قال وزير المالية، جبريل إبراهيم، إن وزارته نجحت في صرف مرتبات 2025 كاملة مقارنة بنسبة 60% خلال العامين الماضيين.
وأوضح جبريل، أن الوزارة سددت المرتبات كاملة بنسبة 100% في ميزانية 2025، فيما كانت تسدد بنسبة 60% خلال العامين السابقين بسبب الحرب.

سياق التضخم:
يقول الخبير الإقتصادي الدكتور محمد تورشين لـ”المحقق” إن زيادة المرتبات في الميزانية الجديدة تأتي في سياق التضخم وتراجع سعر الصرف مقابل العملات الأخرى، وتدهور الإيرادات الحكومية، خاصة بعد سيطرة الدعم السريع على حقل هجليج النفطي وموقع الذهب في جبل عامر وسنقو.

وأشار تورشين إلى أن زيادة المرتبات ستتم بطرق غير دقيقة، مما سيسهم في زيادة التضخم، ولن يساعد في معالجة الاقتصاد السوداني، بل سيزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

وأضاف أن هذه الخطوة قد ينظر إليها البعض على أنها إيجابية وتسهم في رفع الروح المعنوية للعاملين، حتى يتمكنوا من العودة إلى العمل.

إعادة توزيع:
بدوره، يرى الخبير الاقتصادي أحمد بن عمر أن تقليص الجهاز الحكومي بسبب الحرب والنزوح وفقدان الوظائف كان عاملًا حاسمًا في الوضع الاقتصادي الحالي. وأضاف أن الدولة تدفع اليوم أجورًا لعدد أقل من العاملين مقارنة بما قبل 2023.
وأوضح بن عمر لــ ( المحقق ) لأن هذا الانكماش في الكتلة الوظيفية يسمح برفع الأجور الاسمية للمتبقين دون زيادة مكافئة في إجمالي فاتورة الأجور، لكن هذه ليست إيرادات جديدة، إنما إعادة توزيع داخل بند واحد.

وقال بن عمر إن الحكومة يمكنها زيادة الإيرادات عبر توسعة الوعاء الضريبي أفقيًا، وإدخال أنشطة تجارية وخدمية كانت خارج المظلة الرسمية، وتحسين شمول التحصيل دون تغيير المعدلات.
وأردف كما يمكن تحسين كفاءة التحصيل الضريبي والجمركي، وتقليص التسرب، وتشديد الإجراءات، وربط الأنظمة في بعض الولايات الآمنة والحصول على إيرادات من الشركات والهيئات الحكومية، مثل الموانئ، الموارد المعدنية، والاتصالات.
بالإضافة إلى إعادة تشغيل الرسوم والخدمات العامة، وعودة جزئية لرسوم المعاملات الحكومية في الولايات المستقرة نسبيًا.

وحذر بن عمر من أن هذه الضغوط على المصروفات، إذا لم تحسن الحكومة خطتها في عملية الربط الإيرادي، فقد تؤدي إلى عجز يتم تغطيته بالطباعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى