المناعى وإعلان حالة الحب على السودان!!

محجوب فضل بدري

[لا يفوت الأوان أبداً للتجربة الأولى]، أو كما قال الروائي الأسباني كارلوس زافون في أحدى رواياته، متاهة الأرواح، أو ظل الريح، أو سجين السماء، أو لعبة الملاك، وكلها روايات متداخلة الشخصيات والأماكن والأسماء والحوادث !!
وكذلك الدكتور عبد العاطي بكري المناعي لم يَفُت عليه الأوان ليكتب كتابه الموسوم (السودان الحرب والرماد) مع عنوان ثانوي (شهادتي على زمن الانهيار) كما جاء في الغلاف الخارجي، وقد استبدل هذا العنوان فى الغلاف الداخلي إلى (شهادتي على حريق الخرطوم) ومهما كان من أمر العنوان فإن محتوى الكتاب لا يتعدى عن كونه شهادة مَنْ رأىٰ بأم عينيه. وليس من رَأىٰ كَمَنْ سمع !!

والكتابةُ مهنةٌ يتعلمها المرء، ولكنه لا يستطيع تعليمها لغيره، والقلم ليس ملكاً لأحد، لأنه روح حرة تُلازم من يكتب به، ولم يدَّع المناعي لنفسه في كتابه بطولات، فالانسان لا يكون بطلاً إلَّا عندما يراوده الشعور بالخوف، وقد مرت لحظاتُ خوفٍ بالكاتب لم يُنكرها أبداً، ولكنه بالمقابل لم يستسلم لها،حتى أن فجيعته بوفاة والدته لم تمنعه من مواصلة الكتابة. وبإيعازٍ من أصدقائه أمسك بالقلم وكتب وثيقةً مهمة جداً لما عايشه في الحرب وقدَّم جواباً شافياً على السؤال: مَن الذي أطلق الطلقة الأولى؟؟ وهي شهادة من شخصٍ محايد لا يُحسب على أي طرف !!

سعدتُ أيُّما سعادة بأنني كنتُ أول من قرأ الكتاب وقَدَّم له، ولم يسبقني على قراءته إلا الكاتب ذات نفسه، وكان من البديهي أن أكون من ضمن المدعووين لحضور حفل تدشينه في قاعة إحسان عبد القدوس بمقر روز اليوسف وسط القاهرة، وأن أكون على المنصة جوار الكاتب، وبصحبة الأساتذة الأجلاء مجدي الدقَّاق، ومصطفى أبو العزائم وعلم الدين عمر، وقد داعبتُ أستاذ مجدى بأن (الدَقَّاقَ) قرية كبيرة ومحطة سكة حديد تقع إلى الغرب من مدينة أبوزبد بكردفان، فضحك البورسعيدي الصارم .

نال الكتاب حظه من النقاش والتقريظ وبعض النقد، لكن الجميع اتفقوا على فَرَادَةِ الكتاب الذى عَطَنَه د. المناعي بماء النيل، وبحبِهِ للسودان، وهو يحكي عن تجربته بصدقٍ بائن، وعاطفةٍ جياشة سالت معها دموعه ودموع الحضور، وقد وصف المناعي تجربته بأنها كانت عملاً مُرهقاً ومُبهجاً في الوقت ذاته،مَزَجَ فيها بين قوة الشباب وعمق الشيوخ،وشدة البأس ولين الرحمة، وحكمة الجنوب وسماحة الشمال، وأبَانَ د.المناعي فى كتابه بأن المستحيل كلمةً لا وجود لها، وأنَّ الفقر ليس عيباً بل هو فرصة لاكتشاف القدرات والامكانيات، وأن العطاء يبني الأمم وينقلها من الاحتياج إلى الإنتاج ويحوِّلها من الهشاشة إلى الصلابة والاستقرار .

بقي د.المناعي في الخرطوم لأكثر من شهرين بعد بداية الحرب حتى نفد مخزون مركز ترافيكير الطبي الذي يملكه من أي علاج أو مستهلكات طبية، ومن ثم فَكَرَ في المغادرة لأن الطبيب بلا أدوية مثل الجندي في المعركة بلا سلاح !!

غادر المناعي إلى ود مدني وتلك قصة أخرى في حياة المناعي الذي يعرف الجزيرة كباطن كفه ويصف مدني بأنها (الريف الخالى من الزيف) أذ تتسم الحياة فيها بالبساطة والبركة وأنها تعمل بالحد الأدنى من الامكانيات، لكن بالحد الأقصى من الاِرادة، وقد تعلَّم منها أنَّ (تقطيب الروح) لربما يكون أكثر أهميةً من (تقطيب الجروح) الذي دَرَسَهُ فى كلية طب جامعة الأزهر .

في الفصول الأولى من الكتاب يعرض د.المناعي تجربته في العمل في السودان ضمن الفريق التنفيذي لمشروع (السكن المُنتِج) في منطقة حنتوب بولاية الجزيرة ود مدني وهو أحد مشروعات مؤسسة سعيد لوتاه الخيرية. ذلك المحسن الكبير أسكنه الله فسيح جناته وسقىٰ قبره الغمام فصارت ودمدني عشقه الأبدي كما جاء فى الكتاب، ولو أسقط القارئ المتأمل تجربة (السكن المنتج) سيجد فيها الحل الأمثل لإزالة آثار الحرب المدمرة التي طالت معظم ربوع السودان!!
وسيصل القارئ بسهولة إلى أهمية التوثيق الذي أجراه المناعي بقلمه وكاميرته وريشته وفكره وصدقه وحبه للسودان وأهله .

ولولا (صعيدية) د.المناعي لأطلقت عليه اسم (عبد العاطي ود سلمى) لكن الصعايدة (معروفين حاميين أوى) وسلمى الأم التي توفيت وهي تتحرق شوقاً إلى رؤية ابنها الدكتور الذي استأذنها للمغادرة بعد أن أجرىٰ لها جراحة وتركها وهي بالكاد تتماثل للشفاء، وهذا ما جعل المناعي يجهش بالبكاء وهو يذكرها ويذكر صديقه الراحل الصحفي أشرف الجداوي الذي طالبه بالكتابة ولم يحضر صدور الكتاب رحم الله الجميع.

وبعد فأن إعلان المناعي عن حالة الحب على السودان، مقابل إعلان حالة الحرب على السودان الذي تكالبت عليه قوى الشر، يؤكده ماجاء في (كتاب السودان الحرب والرماد) الذي ملأ فراغاً عريضاً في المكتبة السودانية والعربية يصعب ملؤه في زمان استشرت فيه كتابات الأسافير وقلَّ فيه أدب المذكرات والشهادات الموثوقة!! مع عدم أكتراث معظم أهلنا عن التوثيق. أذاً فلا غنىًٰ لأي باحثٍ أو قارئ أو مهتم عن الاطلاع على هذا الكتاب الوثيقة !!

حيا الله الدكتور (عبد العاطي ود سلمى) رغم أنف الصعايدة فنحن أهل السودان لا نستنكف عن نسبتِنا لأمهاتنا، دون تفريط في نسبِنا لآبائنا .

Exit mobile version