واهمٌ من ظنّ أن مسيّرات الجنجويد التي تُطلَق من الأراضي الإثيوبية تستهدف محطات الكهرباء أو البنى التحتية لذاتها؛ بل تتعدد رسائلها للداخل والخارج، أملًا في تحقيق ما عجزت عنه باستجلاب آلاف المرتزقة وعرب الشتات، وما فشلت في إنجازه مليارات الدولارات وآلاف الأطنان من الأسلحة التي أنفقتها الإمارات ودمّرت بها السودان. كل ذلك لم يُجدِ نفعًا، فما عساها تُجدي مسيّرات، حتى لو أظلمت سماء البلاد بأكملها؟ إن وطنًا تُظلِم بعضُ بقاعه بجريرة المسيّرات خيرٌ ألف مرة من وطن يتسيّده الجنجويد، وتسيطر عليه الإمارات، ويخيّم عليه الظلام التام في حاضره ومستقبله.
2
تستهدف هذه المسيّرات تحطيم الروح المعنوية للشعب، بغية إخضاعه وإجباره على الاستسلام لمخططات الصهيونية الإماراتية في المنطقة، على نحو ما يفعله الحوثيون الآن لترهيب السعودية عبر المسيّرات التي تقصف المطارات والمدن. ومن ناحية أخرى، ليس هذا السلوك إلا تعبيرًا يائسًا عن الهزائم المتتالية والحصار الخانق الذي يفرضه الجيش السوداني على فلول المليشيا في كردفان، التي ستسمعون قريبًا نبأ تطهيرها بالكامل من التمرّد.
هذه الحملة المتواصلة لتدمير البنية التحتية للكهرباء تسلك ثلاثة مسارات متزامنة؛ أولها ضغوط أمريكية مكثفة، توسطت فيها دول صديقة. ولعل زيارة الأمين العام لجامعة الدول العربية، الناقل لآخر الرسائل الأمريكية إلى الرئيس البرهان، تهدف إلى إقناعه بقبول هدنة مؤقتة؛ دعمًا للحملة الانتخابية للجمهوريين في انتخابات نوفمبر المقبل، التي يُتوقَّع فيها سقوطهم وفقدانهم السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ. وقبل ذلك، رفض السودان النظر في أي هدنة طلبتها دول صديقة، ناهيك عن الفشل الذريع والمتواصل للرباعية والخماسية في فرض أجندة الإمارات على الأرض.
3
وهناك مسار آخر ابتدأته إحدى وثلاثون دولة أعلنت وجود «مجاعة محتملة» في السودان. وليس الغرض منه التنبيه إلى مخاطر حقيقية تحيط بالوضع الغذائي جراء الحرب وظاهرة «النينيو» وشحّ الأمطار؛ فهذه حقائق لا تُنكَر، ويجب التعامل معها بجدية. لكن شتّان بين الاستجابة للظروف الإنسانية وتوظيف الأزمات أدواتٍ للتركيع تحت شعارات العمل الإغاثي. لن تؤدي الدعوة إلى الهدنة وتجييش المجتمع الدولي ضد السودان إلى نتيجة نافعة؛ إذ تثبت الحقائق أن السودان أبدى أقصى درجات التعاون في فتح المسارات والممرات للإغاثة، بينما تتعمد المليشيا اعتراض شاحنات المساعدات ونهبها وتدميرها، وسط صمت دولي مريب ومنافق!
4
أما المسار الثالث الذي تبتغيه المليشيا برعايتها ورسائلها، فهو إطلاق المسيّرات من العمق الإثيوبي وسط صمت دولي مطبق لتمرير المخطط. والهدف هو استدراج السودان إلى شن هجوم مضاد والدخول في مواجهة مباشرة مع إثيوبيا، تستهدف محطاتها ومنابع مياهها وسدودها؛ وعندئذٍ فقط سيتدخل العالم—لا لوقف الحرب ضد إثيوبيا، بل لفرض السلام والهدنة بالقوة داخل السودان. ولهذا، يجب ألا ننجرّ وراء دعوات المواجهة مع إثيوبيا الآن؛ إذ لا مصلحة لنا في ذلك، وهذه فاتورة مؤجلة سيدفعها النظام الإثيوبي وكل من شارك في العدوان على السودان. أما في اللحظة الراهنة، فمهما فتحت إثيوبيا أراضيها للمعسكرات، فلا مجال للرد العسكري.
ومما يؤكد هذا المخطط أن المسيّرات كان يمكن إطلاقها من أراضٍ سودانية تسيطر عليها المليشيا، بدلًا من الأراضي الإثيوبية. إن بوسع السودان ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية مكثفة في أفريقيا والعالم، وإطلاق حملة إعلامية لفضح المخطط… ولكن، للأسف، يفتقر السودان إلى حكومة تُفكّر وتُخطّط وتعمل؛ بل هي «حيطة زبالة مائلة» تتمطى وتفلع في قفا الزول البناها.
5
المعركة الحالية ليست مجرد مواجهة عسكرية على الأرض أو في سماء تعجّ بالمسيّرات المستخدمة في العدوان المدعوم إثيوبيًا وإماراتيًا، بل هي معركة إرادة ووجود وصمود في وجه أعتى المؤامرات الإقليمية والدولية. إن المسيّرات ومحاولات إظلام المدن لن تكسر شوكة شعبٍ أدرك حقيقة المخطط واختار الانحياز إلى كرامته وسيادة أرضه. وسيدرك المعتدون ووكلاؤهم أن السودان عصيٌّ على الانكسار والتركيع، وأن ظلام الليل، مهما طال واستبدّ، فإن فجر النصر قادم لا محالة.