المسرح القومي يستعيد نبضه.. وحراك مسرحي يمهّد لعودة البقعة
Mazin
الاحداث:ماجدة حسن
بعد سنوات من الحرب التي ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد الثقافي والفني في السودان، يبدو أن المسرح القومي بأم درمان يستعيد شيئاً من دوره بوصفه مساحة للقاء والحوار وصناعة الفعل الثقافي. وفي هذا السياق تتصاعد حركة المسرحيين والدراميين داخل المسرح القومي، بالتزامن مع تحضيرات مبكرة لعودة مهرجان البقعة الدولي للمسرح في دورته الثانية والعشرين، المقرر انطلاقها في 27 مارس 2027. وكان المسرح القومي قد أعيد افتتاحه في يناير 2026، عقب أعمال تأهيل جاءت ثمرة تعاون بين وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، وولاية الخرطوم، وعدد من المؤسسات والجهات الوطنية، في خطوة حملت دلالة تتجاوز إعادة فتح مبنى ثقافي إلى محاولة إعادة الثقافة والفنون إلى قلب الحياة العامة في أم درمان. ومن داخل هذا المناخ تتواصل اللقاءات الأسبوعية للمسرحيين، التي يرى السفير الفنان علي مهدي، رئيس المسرح الوطني – مسرح البقعة، أنها تمثل جسراً بين أجيال الحركة المسرحية السودانية. ويعتبر مهدي أن هذه اللقاءات لا تكتفي بتبادل الرؤى حول المسرح، وإنما تفتح نقاشاً أوسع حول قضايا الوطن، وتجعل من المسرح أداة لمعالجة الواقع ثقافياً وإنسانياً. ويصف مهدي اللقاءات بأنها أشبه بـ«مؤتمر أسبوعي» يتيح حواراً جاداً حول الإشكالات القائمة، ويقود إلى التفكير في حلول وإشارات لفعل قادم، معتبراً أن أهم ما يميزها أنها تجمع خبرات أجيال سابقة مع حيوية الشباب، في محاولة لتحويل التفاعل بين الأجيال إلى مشروع مؤسسي قابل للاستمرار. وفي جلسة المسرحيين التي انعقدت بالمسرح القومي في الخامس من سبتمبر الجاري، برزت قضية أخرى تتجاوز حدود العرض المسرحي، تمثلت في البحث عن رؤية لمشاركة الفنانين في الحوار السوداني – السوداني. وطرح المسرحي الحلو عبد الله الحلو، خلال الجلسة الثانية، تصوراً يقوم على أن الفن يمكن أن يكون شريكاً في صناعة السلام وإعادة بناء الوجدان السوداني، وتعزيز الثقة والهوية الوطنية. ويرى الحلو أن السلام لا يُبنى بالاتفاقيات السياسية وحدها، وإنما يحتاج كذلك إلى إعادة بناء الإنسان والوجدان، معلناً عن جلسة ثالثة مرتقبة لاستكمال صياغة رؤية يمكن أن تسهم في دعم السلام الاجتماعي. وفي الاتجاه ذاته، دعا علي مهدي الحركة المسرحية الشبابية إلى الانتقال من المبادرات الفردية إلى فعل مؤسسي ومنتج وفاعل مع المرحلة الراهنة، مشيراً إلى أهمية المشاركة في الدورة التنشيطية المسرحية الأولى التي ستتنقل بين الولايات، بمشاركة ولاية الخرطوم، باعتبارها فرصة لتحريك الفرق واستعادة النشاط المسرحي خارج المركز. ويأتي هذا الحراك ضمن الطريق المؤدي إلى الدورة الثانية والعشرين من مهرجان البقعة الدولي للمسرح. وبحسب ما أعلن حديثاً، فإن التحضيرات ستسبق المهرجان ببرنامج واسع تحت اسم «قيدومة البقعة»، يبدأ في نوفمبر 2026 ويستمر حتى فبراير 2027، ويتضمن نحو 40 عرضاً في عدد من الولايات، على أن تقدم العروض في الساحات والأسواق والفضاءات العامة. الفكرة هنا تبدو واضحة: أن تصل الخشبة إلى الجمهور، لا أن ينتظر الجمهور وصوله إليها. فالمسرح في مرحلة ما بعد الحرب يحتاج إلى استعادة جمهوره بقدر حاجته إلى استعادة مؤسساته، وإلى اكتشاف طاقات جديدة في الولايات وربطها بالمركز. وتحمل عودة البقعة، بهذا المعنى، أكثر من قيمة احتفالية. فمنذ انطلاق «أيام البقعة المسرحية» عام 2000، أصبح المهرجان أحد أبرز المنابر التي جمعت المسرحيين السودانيين وفتحت نوافذ للتفاعل مع التجارب العربية والدولية. واليوم، بينما تتجه الأنظار إلى مارس 2027، تبدو الطريق إلى البقعة نفسها جزءاً من المشروع: لقاءات أسبوعية، حوار بين الأجيال، عروض في الولايات، وأسئلة حول دور الفن في السلام وإعادة بناء المجتمع. إنها محاولة لأن يستعيد المسرح السوداني خشبته وجمهوره ووظيفته؛ وأن يتحول من شاهد على ما جرى إلى شريك في صناعة ما سيأتي.