رأي

المتعاونون الجدد.. غانيات الكيتش وصحافيو بنكك

قاسم الظافر

توطئة:
“الكيتش – Kitsch” هو مصطلح ألماني يوصف به الفن الرديء، المبتذل، الذي يتميز بالبهرجة والتسويق التجاري الرخيص، كما يمتاز بالمبالغة في العاطفية، والزخرفة المفرطة. في نهاية الأمر يمثل الكيتش ثقافة الإفراط والبهرجة التي تزحف نحو التشبه بالفن، وهو نموذج محاكاة وتقليد للفن الراقي بأسلوب غير إحترافي.
يصف ميلان كونديرا الكيتش في روايته “كائن لا تحتمل خفته” بأنه؛ يمثل النفي المطلق للعفن، وهو حجبٌ مقصود للجانب المظلم والعفن في الوجود البشري، سواء بصورة مادية (البراز) أو مجازياً (نقاط الضعف والخصال الذميمة)، كما يرى كونديرا أن الكيتش هو ترجمة بلاهة الأفكار الجاهزة إلى لغة الجمال والوجدان حيث يتم استهلال الأكليشيهات والكليبات ببلاهة مفرطة.
في السياق السياسي والاجتماعي يستخدم الكيتش كأداة للأنظمة الشمولية لإخفاء واقعها المزري كما يقول كونديرا “عدوي ليست الشيوعية، بل هو الكيتش”. ويعبّر الكيتش علي الصعيد الفردي كموقف للشخص الذي يريد أن ينال إعجاب أكبر عدد من الناس وصناعة تأييدٍ ما مع مدارة حقيقة قذرة بمخاطبة وجدانية عاطفية مبتذلة تشبه الفن.

نص:
اهتمت صحيفة الكرامة بنقل خبر (إلغاء عقوبة الرجم عن إمرأتين) إثر توجيه من قبل السيد رئيس مجلس السيادة، بدافع التركيز علي التوجيه السيادي الصادر من البرهان أكثر من مهنية الخبر وصحته وإعمال الفقه وضوابطه، أو ما قد يتبع في مثل هذه الحالات.
علي صعيد آخر، تابعت الحملة المضادة التي ساقها عدد من “الصحفيين” في محاولة لتبرئة المدير “النفع بلدو” والتي لا تخرج عن كونها (نسخ وإعادة نشر) بصورة ساذجة ومتهافته لبيان الشركة الذي زاد من إلصاق التهمه بصاحبها أكثر من أي شيء آخر.
القاسم المشترك في كل هذا العبث الممنهج، هو ظاهرة المتعاونين الجدد، الذين يعرفون في وسطهم المهني (بصحافيو بنكك)، يقومون بدور المتعاونين لمصلحة مداراة العفن والترويج للمسؤولين وإبراز محاسنهم قبل منجزاتهم وثمرة أداءهم، وكأنهم عارضي أزياء وليسوا مجرد مسؤولين أو مدراء حكوميين يشغلون منصاب رسمية في الدولة ومطالبون بأداء نموذجي ومثالي.
المؤسف في الأمر أن كل هذا التردي والتزلّف والتسويق التجاري المبتذل الذي يصل إلى درجة التسول يندرج تحت نصرة معركة الكرامة ومناصرة مؤسسات الدولة والجيش. لم يتحدث واحد من هؤلاء “الربائب أصحاب بنكك” عن الدكتور الناجي مصطفي الذي ظل في المعتقلات منذ 26 أكتوبر 2025م وهو من هو بمواقفه المشهودة وأقواله المعلومة في معركة الكرامة ونصرة البلاد. ببساطة ناجي مصطفي ليس لديه كشف صرفيات شهري عبر تطبيق بنكك حتي يتغني بأدواره القونات من أمثال (عذاب) ورويبضة الصحافة (الذين تعلمون)، ناجي مصطفي تكفيه الدعوات والأعمال الصالحات، كما تكفيه أجور الآخرة عن الأجور الدنيوية العاجلة.

خاتمة:
آخيراً وليس آخراً، هذا الواقع المأساوي الذي يتجسد من خلال غانيات الكيتش السوداني لتسويق بعض المسؤولين، وهذا السلوك الصحفي الرخيص يعودان إلى نقطة مركزية جوهرها الشُحّ؛ علي كل المستويات والاصعدة، شُحّ ثقافي وأدبي وفني، وشح مهني مع قلة الحيلة والتدبير. ومن جانب الكادر الحكومي الذي تنقصه مقدمات أخلاقيات العمل Work Ethics والكثير من الانضباط والمسؤولية.
هذه الحالة المترديه الجاثمة علي الفضاء العام (في فترة الحرب وما بعدها) أبعد ما تكون عن مؤشرات انتصار، بل هي هزيمة كبرى في سياقات انحطاط وتردي العمل العام والمنجز الحكومي، وهذه الردائة غير المسبوقة في الفن والصحافة مدعاة لإعادة النظر وللتعامل مع هؤلاء المتعاونين الجدد بالحسم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى