حنان رمضان
تعتبر اللغة عنصرا مهما في حياة أي شعب من الشعوب، وهي حجر أساس يستخدمه أي شعب للتعبير عن تاريخه وحضارته؛ لذا تعد جزءا من تراث الشعوب وثقافتها.
ولا تحفظ العلوم والثقافات إلا من خلال اللغة، وبهذا تتعدى أهمية اللغة ومكانتها من كونها مجرد وسيلة للاتصال والتعبير بين أفراد العرق أو الشعب الواحد، إلى كونها جزءا مهما من ذاكرة الأمم. اللغة العربية في التاريخ
أما العرب، فلم يختلفوا في جاهليتهم عمن عاصرهم من الأمم في مسألة النظر إلى اللغة والاهتمام بها بوصفها ضرورة ملحة، فنجد الأدب الجاهلي قد ذاع صيته في شبه الجزيرة العربية.
ومنذ القدم، كانت العربية واحدة من اللغات السامية، نشأت مع نشأة الحضارات السامية في بلاد الشام، وأهمها الكنعانية والفينيقية.
وقد تطورت اللغة العربية مع الوقت، وكان فيها العديد من اللهجات، مثل الحجازية والنجدية وغيرهما. إضافة إلى ذلك، كان هناك اختلاط الثغور مع الأمم الأخرى، مثل الروم والفرس، كما قامت دولة المناذرة وعاصمتها الحيرة، ودولة الغساسنة التي نشأت في بصرى الشام.
اللغة العربية ومكانتها الدينية
اكتسبت اللغة العربية مكانة انفردت بها، خاصة مع نزول القرآن باللغة العربية للعالم كله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وظهور الدعوة في الجزيرة العربية. وهكذا رفع الدين الإسلامي مكانة اللغة العربية، وانتقل بها من مجرد لغة محلية لطائفة من الناس في الجاهلية إلى لغة حضارة، ووضعت في مساواة لغات أخرى لإمبراطوريات كبرى آنذاك، مثل الرومانية والفارسية.
اللغة العربية في زمن ازدهار الدولة الإسلامية
أما في عصر المسلمين الأوائل، فقد كانت العربية لغة القرآن والأحاديث النبوية، وما لبثت الدولة الإسلامية أن توسعت، واختلط العرب الفاتحون بأمم أخرى بعد الفتوحات، فدخل في الإسلام العرب والفرس والترك والأمازيغ وغيرهم من بلاد الهند والسند.
كان لهذا الأمر أثر كبير على الثقافة العربية والتراث العربي، وكذلك على اللغة، حيث تطورت وتغيرت، وساهم في ذلك الاختلاط بين العرب والعجم، خاصة في العصور الأولى التي تمتد حتى نهاية العصر العباسي الأول. لكن مع هذا كله، احتفظت اللغة العربية بمكانتها، لا كلغة ثقافة وتأليف وكتابة وعلم فقط، بل كانت اللغة الرسمية في الدولة الإسلامية. ومما زاد في قوة اللغة العربية استخدامها من قبل الخلفاء الأمويين، وبالتحديد عبدالملك بن مروان، في دواوين الدولة الرسمية (تشبه الدوائر الحكومية)، والاستعاضة عن النقد الذي كان يستعمل قديما بدنانير ودراهم سكت باللغة العربية؛ مما منح اللغة العربية المزيد من القوة. وهذا هو الطبيعي في تاريخ الأمم حال قوة الدولة وعظمتها، فالدولة القوية دائما ما تفرض لغتها وثقافتها، والأمثلة كثيرة. حركة التعريب والترجمة وأثرها على مكانة اللغة العربية
مع ازدهار الفتوحات الإسلامية ودخول الأمم الأخرى في الإسلام، ازدهرت حركة التعريب والترجمة لكتب من لغات أخرى، مثل اللغة الفارسية التي ترجم عنها الكثير من المؤلفات، ومنها “رباعيات عمر الخيام”، ومما ترجم عن الهندية كتاب “كليلة ودمنة”، وترجم كذلك عن غيرهما من اللغات.
أثرت حركة التعريب والترجمة في الحضارة الإسلامية نتيجة اختلاط المسلمين العرب بغيرهم من الأمم الأخرى، حيث ترك المسلمون بصمة في كل مجال من مجالات العلم والمعرفة.
تراجع دور اللغة العربية في القرون اللاحقة
شهدت اللغة العربية واستخدامها تراجعا ملحوظا ابتداء من العصر العباسي الثاني؛ بسبب اختلاف الأحوال السياسية؛ فقد سيطر الفرس والترك على مناصب مهمة في الدولة، ونشأ عدد من الدويلات البعيدة عن العاصمة المركزية بغداد، مثل الفاطمية والزنكية والأيوبية في مصر وغيرها، وكان لهذا أثر عظيم على اللغة ومكانتها.
بيد أن الانفصال الحقيقي الذي أثر على اللغة كان ظهور دولة السلاجقة الترك ودولة البويهيين الفرس بالتوازي مع العباسيين.
اللغة العربية والاستعمار الحديث
وعلى الرغم من تراجع مكانة اللغة العربية، خاصة فيما يخص المعاملات الرسمية، بقي الأدب العربي، وإن خفت ازدهاره، يجود ببعض الظواهر الجديدة التي لم تعرفها عصور سابقة، مثل أدب الحروب الصليبية وازدهار أدب التصوف.
وفي أواخر العصر العثماني تم إهمال التعليم، وكان لسياسة التتريك التي فرضت آنذاك، خاصة على بلاد الشام، أعظم الأثر في تراجع الاهتمام باللغة العربية وانتشار استخدام اللهجات العامية، مما سبب ضعفا في اللغة حتى بين مستخدميها.
وعند مجيء الاستعمار الأوروبي، أصبحت الإنجليزية والفرنسية تدرسان للسكان الأصليين؛ إذ شكلت اللغات الأوروبية استكمالا للاستعمار الثقافي للسكان العرب، وأصبحت هذه اللغات مع الوقت تدرس بها أغلب التخصصات، كالصيدلة والطب وغيرهما؛ لأنها “لغات علم”. اللغة العربية وعصر العولمة
وكان عصر العولمة الحلقة الأخيرة من مسلسل المحن والأزمات المتتالية التي عاشتها اللغة العربية تاريخيا، والتي كانت نهايتها تراجعا لافتا في مكانة اللغة العربية حتى بين الناطقين بها، مع كل المحاولات للمحافظة على مكانتها وألقها.
فقد أثرت العولمة وانتشار “الإنترنت” والفضائيات بشكل سلبي جدا على اللغة واستخدامها؛ فبدلا من أن يكون شقا اللغة العربية (الفصحى والعامية) مكملين لبعضهما، انفصلت العامية المحلية، التي يتحدث بها السكان المحليون، خاصة مع تعدد اللهجات بين الدول، عن الفصحى انفصالا شبه نهائي، وأصبحت الفصحى حبيسة الكتب مع الوقت.
أزمات العربية من منظور مستقبلي
تواجه اللغة العربية تحديات إضافية في ظل انتشار التطبيقات الرقمية والذكاء الاصطناعي، وهذا قد يكون سلاحا ذا حدين؛ فقد يفيد ذلك العربية وتدريسها وسهولة نشرها، خصوصا بين غير الناطقين بالعربية، وقد يؤثر سلبا عليها في أكثر من موضع. فهي اليوم تواجه إهمالا، خاصة من الجيل الجديد الذي يفضل اللغات الأخرى عليها، مما يضعها في خانة الإهمال مستقبلا. تعرضت اللغة العربية لأزمة تلو الأخرى، ولمحنة تلحقها محنة؛ مما جعلها تفقد مكانتها، لكنها كانت وما زالت من أكثر اللغات التي ينطق بها تكتل إنساني.
ورغم كل شيء، هي لغة فريدة تتمتع بخصوصية عظيمة، لكن المحافظة عليها وإعادتها إلى مكانتها التي تستحقها تتطلبان منا جميعا العمل من أجلها.