القوة الرقميّة ترسم حدود إمبراطوريات القرن الـ21

الإمبراطورية منظومة. لها مركز يُمسك بالأطراف. المركز يُدير، والأطراف تتبع. من الأطراف تُجبى الضرائب، وهي المدى الحيويّ كي يُمارس المركز سلطته. تتشكّل الإمبراطوريّة عادة من الأعراق، والأمم المتعدّدة. يُمسك المركز بالأطراف عبر منظومة أمنيّة، وبنى تحتيّة تؤمن له التدخّل السريع عن حالة العصيان، والتمرّد (Hub and Spoke). هكذا فعلت الإمبراطوريّة الرومانيّة عبر شبكة الطرقات المتشعّبة نحو الأطراف، والتي تؤمّن سرعة التحرّك للقوى العسكريّة كي تقمع التمرّد. وعند الاصطدام بالمتمرّدين، كان العقاب كبيراً، ودمويّاً إلى درجة لا يمكن وصفها، بحيث تُشكّل الحادثة رسالة ردعيّة لمن يهمه الأمر. عندما يتعب المركز ويُستنزف، تتفلّت الأطراف، وتسعى للانفصال. تقوم الإمبراطوريات بالدم، وتسقط بالدم. كما تسقط عند فقدان شرعيّتها، أو إذا توسّعت إلى الحدّ الأقصى بحيث تزيد متطلّبات واجباتها عن الإمكانيات المتوفّرة… وتسقط الإمبراطوريّة عندما تصعد قوّة جديدة منافسة لها.

عندما تصل الإمبراطوريات إلى درجة متقدّمة من الحضارة، والعلم، فقد يؤشر هذا الأمر إلى بروز معالم بدء مسار التراجع، والسقوط. ففي مرحلة الصعود والتوسّع يستخدم العلم لصالح الحملات العسكريّة، ولا مجال للترف حينها. فالقلم يكون حينها في خدمة السيف. فهو أصدق أنباءً من الكتب على غرار ما قاله الشاعر أبو تمّام. لكن وبعد الامتداد الأقصى للتمدّد، ترتدّ الإمبراطوريّة على نفسها داخليّا ليبدأ مسار التراجع، والتنازل عن مرتبة الصدارة. وعلى قول أبي العلم الاجتماعي الحديث ابن خلدون: «تقوم الحضارات بالعصبية، والقوة، وتنهار بالترف، وفساد العمران، وضعف العصبية» ويضيف: «كل حضارة تحمل في أسباب ازدهارها بذور سقوطها عندما تتحول القوة إلى ترف».

لكل عصر إمبراطوريّته. خلال الثورة الزراعيّة، التي يُقال بدأت في بلاد ما بين النهرين منذ 15 ألف سنة، كانت الأرض مصدر الثروة. فكان من الطبيعي أن تسعى الأمم للسيطرة عليها فتبني بذلك إمبراطوريّة. هكذا فعلت الولايات المتحدة الأميركيّة عندما توسّعت نحو الغرب، لتصل إلى المحيط الهادئ، ولتصبح دولة يحميها محيطان (الأطلسي، والهادئ).

لا تزال الأرض والمساحة مجال الأمان للإنسان، حسب ما يقول المفكّر الأميركي-البريطاني الراحل كولن إس غراي، إذ «لا يمكن الهروب من الأرض». لكن هذا لا يعني أن الأرض فقدت أهميتها في الثورة الصناعيّة. فهي مصدر الثروات الطبيعيّة. وفيها وجد المستعمر الأسواق لبضائعه. فعلى سبيل المثال لا الحصر، نظّر أبو الجغرافيا السياسيّة، فريدريك راتزل، حول المدى الحيويّ للأمّة (Lebensraum). وعليه فسّرت المدرسة الجيوسياسيّة الألمانيّة أفكار راتزل لتبرير التوسّع. وعلى هذه الأفكار حاول هتلر بناء الرايخ الثالث عبر التوسّع (Third Reich). لم تدم هذه الفكرة أكثر من 12 سنة، بين العام 1933-1945. عزّزت الثورة الصناعية الامتداد الإمبرياليّ. فهي بدأت في الغرب الأوروبيّ. وأمّنت الوسيلة للقوى الغربية لبناء إمبراطوريّاتها عبر العالم، خاصة في المجال البحريّ. وعليه بنت بريطانيا أكبر إمبراطوريّة غير مترابطة جغرافيّاً (لم تغب عن أراضيها الشمس). كانت الإمبراطوريّة المغوليّة أكبر إمبراطوريّة مساحة، ومترابطة جغرافيّاً.

ينظّر الكاتب كلوز شواب في كتابه «الثورة الصناعيّة الرابعة»، وبعكس ما كتبه المفكّر الأميركي الراحل ألفن توفلر، بأن العالم يعيش الآن مرحلة اندماج التكنولوجيا، التي أنتجتها الثورة الصناعيّة، مع التكنولوجيا الرقميّة. أما توفلر فقد فصل بين الثورات التي عاشتها البشريّة -زراعيّة، وصناعيّة، وتكنولوجيّة.

لكل إمبراطوريّة «تاريخ انتهاء الصلاحيّة»، (Expiry)، حسب ما قاله المؤرّخ الإنجليزي نيال فيرغسون، في مقال له في مجلة «ألفورين بوليسيّ». عمّرت الإمبراطوريّة البيزنطيّة أكثر من ألف عام. دامت روما الغربيّة نحو 829 عاماً. أما الإمبراطوريّة العثمانيّة فقد استمرت لنحوّ 469 عاماً مقابل الإمبراطورية الفارسيّة، والتي عمّرت ما بين الـ200-300 سنة. ودامت الإمبراطورية الرومانيّة المقدّسة نحو 800 سنة، التي تهكّم عليها الفيلسوف الفرنسي فولتير بالقول: «إنها ليست مقدّسة، ليست رومانيّة، وليست إمبراطوريّة». هذا مع التذكير بأن فولتير كان صديق «المُراسلة» مع القيصرة الروسيّة كاترين الكبرى لمدّة تُقارب الـ15 عاماً. وبعد موته، ابتاعت القيصرة مكتبته الخاصة. استكملت كاترين توسيع حدود الإمبراطوريّة الروسيّة جنوباً نحو القرم، والبحر الأسود، وذلك بعد أن وسّع بطرس الأكبر حدود الإمبراطوريّة نحو الغرب، وأسقط الإمبراطورية السويديّة.

هناك الإمبراطورية القاريّة، كما روسيا. وهناك الإمبراطوريات البحريّة، مثل أثينا، والبرتغال، وإسبانيا، وبريطانيا، وأميركا (مع تحفّظ). كانت أغلب الإمبراطوريات البحريّة استعماريّة بطبيعة تكوينها. فالبحر مجال أسهل للتوسّع من العوائق الجغرافيّة.

تسعى بعض الإمبراطوريات لإضفاء دور إنساني حضاري على مشروعها الإمبريالي. ألم يتحدث الشاعر البريطاني روديارد كيبيلنغ في العام 1899 في قصيدة له عن «عبء الرجل الأبيض» تجاه الأعراق الأخرى؟ ألم يعطِ كيبيلنغ في قصيدته تبريراً للاستعمار مُغلّفاً إيّاه بواجب إنساني حضاريّ؟ ألم تعتمد فرنسا غطاء إنسانياً حضارياً لمشروع الإمبراطوريّة، والذي يقوم على نشر اللغة الفرنسيّة، والثقافة، والقوانين، حتى ولو بالقوّة؟ ألم تضم فرنسا الجزائر رسمياً عام 1848، معتبرة إياها أرضاً فرنسيّة؟

يقول ألفن توفلر (Alvin Toffler) إن من يسيطر على الثروة في كل عصر، يسيطر على القوة، والهيمنة في ذلك العصر. وإذا كانت الأرض هي الثروة في الثورة الزراعيّة، والصناعة الثروة في العصر الصناعي، والمعرفة في عصر المعلومات. فإن الأكيد أن قيام الإمبراطوريات وصعودها -كما سقوطها- يتعلّق مباشرة بمدى سيطرة هذه الإمبراطوريات على مصادر الثروة، خاصة أن الثروة هي المموّل الأساسيّ للقوة لفرض الهيمنة، وتوسيع حدود الإمبراطوريّة. فالثروة تموّل القوّة. والقوّة تحمي الثروة، وهكذا دواليك حتى الوصول إلى التآكل الكليّ للمنظومة (Atrophy). هذا عن الإمبراطوريات القديمة. فماذا عن الإمبراطوريّات في العصر الرقميّ؟ يُنظّر المؤرّخ الإنجليزي نيال فيرغسون عن شكل الإمبراطوريات الحديثة ليقول: «إنها قصيرة العمر. إنها إمبراطوريّة-دولة، (Empire-State) وذلك على غرار الدولة-الأمّة (Nation- State). عمّرت الإمبراطورية البولشيفيّة نحو 70 سنة. عمّرت الإمبراطوريّة اليابانيّة 50 عاماً. وكما ورد أعلاه، دام الرايخ الثالث فقط 12 سنة. تغيّر العالم. تغيّرت مصادر صنع الثروة. أصبح العالم شفّافاً جغرافيّاً. بدأ الإنسان بالبحث عن أسرار الكون -«الميكرو». بعد أن انصبّ اهتمامه قديماً على أسرار الكون -«الماكرو». بحث نيوتن في الجاذبيّة، وعلاقة الكواكب ببعضها البعض. أسس العالم الألمانيّ الراحل ماكس بلانك للفيزياء الكميّة (Quantum Physics). في العصر الحديث، اختلطت الثورات الثلاث مع بعضها البعض. الأرض لا تزال مهمّة. لكن الآلة أصبحت أذكى. والداتا أصبحت ثروة. وعليه، لا بد لأية إمبراطوريّة حديثة من أن تسعى للسيطرة على مصدر الثروة. لكن الأكيد أن الجغرافيا، أو التوسّع الجغرافيّ لم يعد الخيار الأهم كما كان قديماً. لكن الدائم والثابت، في العلاقات الدولية، والصراعات، أن مفهوم القوة لا يزال قائماً، كما صراع الإرادات، وأهميّة السيطرة، والتأثير (Control).

في العام 2004، إبّان الحرب على الإرهاب بعد كارثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ورد في مقال للصحافي رون ساسكيند، ونقلاً عن لسان الرئيس بوش الابن أو أحد مساعديه الكبار، ما يلي: «نحن الآن إمبراطورية، وعندما نتحرك، فإننا نخلق واقعنا الخاص… نحن صُنّاع التاريخ، وأنتم جميعاً لن يبقى أمامكم إلا دراسة ما نقوم به». لم يشذّ الرئيس بوش عبر تصريحه هذا عن تأثير الولايات المتحدّة الأميركيّة كقوّة عظمى على النظام العالمي، منذ الحرب العالميّة الأولى، وحتى الحرب الحالية مع إيران مؤخراً، ومروراً بالحرب العالمية الثانية. ألم يقل الرئيس دونالد ترمب خلال مقابلة إنه لا يحتاج القانون الدوليّ؟ ألا يضرب هذا التصريح كل الأسس التي قام عليها النظام العالميّ بعد الحرب العالمية الثانية؟ فهل القرن الحادي والعشرون يعيش حالياً مرحلة المهيمن (Hegemon)، بدل الإمبراطوريّات. فالمهيمن يقود، ويؤثّر عن بُعد. بينما تقوم الإمبراطوريات على الحكم المُباشر للأمم. يؤثّر المهيمن عبر التحالفات، والمؤسسات الدوليّة، بينما تستعمر الإمبراطوريّة الشعوب عبر الضمّ. يسمح المهيمن بالحكم الذاتيّ، لكن من ضمن قواعد وأسس يضعها هو. لا تسمح الإمبراطوريّة بذلك. هكذا فعلت الثورة البولشيفيّة بعد سقوط الإمبراطوريّة. حافظت على مساحة الإمبراطوريّة، لكن من ضمن آيديولوجيّة جديدة تتجاوز الفروقات العرقيّة-الإثنية كما الدينيّة. المهيمن يسعى إلى التأثير. تسعى الإمبراطوريّة إلى السيطرة على الأرض، والحكم المباشر.

تبدأ الأفكار والابتكارات من المركز، وتنتقل بعدها إلى الأطراف (Proliferation). وكلّما تسارع انتقال الأفكار من المركز إلى الأطراف، بدأت عملية الدمقرطة بين الدول، وعُدّلت موازين القوى. في الثورة الصناعية الرابعة التي يعيشها عالم اليوم أصبحت مصادر الثروة، وبالتالي القوة، تقوم على العوامل التالية: الداتا، وقوة وسرعة الحوسبة، والذكاء الاصطناعي، والروبوتات. في القرن الحادي والعشرين لا تحتكر إمبراطوريّة واحدة أو مهيمن واحد مصادر الثروة، أو عناصر القوّة. وعليه يُنظّر الكاتب والمفكّر السنغافوري باراغ كانا، في كتابه «Connectography»، أن شبكات الاتصال أصبحت أهم من الحدود. فالعالم أصبح شبكة مترابطة، ومن يسيطر على البنى التحتيّة لهذا الترابط فسيكون لاعباً أساسيّاً. وحسب الكاتب، لم تختفِ الجغرافيا، لكنها تغيّرت.

في الإطار نفسه، ترى الكاتبة آنو برادفورد، في كتابها «الإمبراطوريات الرقميّة» أن العالم يعيش صراعاً رقمياً بين ثلاث إمبراطوريات رقمية، هي: الصين، وأميركا، وأوروبا. في هذا الحال أصبحت للبيانات قيمة جيوسياسية مهمّة جدّاً. وذلك بالإضافة إلى دخول الشركات الخاصة إلى المسرح الصراع الكونيّ. وتقول إن العام قد يشهد تجزئه رقميّة بسبب الصراع بين القوى الأساسيّة.

في الختام، لا يمكن توقّع شكل وتركيبة الإمبراطوريات المُنتظرة مع التحوّل الرقميّ الذي ضرب كل الأسس القديمة. فكيف سيكون التوسّع؟ هل سيكون رقميّاً مع العمل على السيطرة على البنى التحتيّة للثورة الرقميّة؟ وكيف سيتجسّد الصراع والحروب على أرض الواقع؟ في هذا الإطار يقول المفكّر جورج فريدمان إن التاريخ يصلح فقط لتوقّع المستقبل، وليس لأخذ العبر، والدروس. وإلا لماذا نُكرّر نفس الأخطاء؟ وإذا كان مقدار العظمة للإمبراطوريات القديمة يُقاس بالحيّز الجغرافيّ الذي تسيطر عليه، فإن الإمبراطوريات المُتخيّلة مستقبلاً لا يمكن لها الهروب من التأثير الرقميّ (Digital). وإذا كان لكل ثورة في تاريخ العالم نموذجها الخاص من الإمبراطوريات، فكيف ستكون عليه إمبراطورية القرن الحادي والعشرين في ظلّ الاندماج الكلّي للثورات الثلاث التي تحدّثنا عنها أعلاه؟

Exit mobile version